علي حسن الفواز
الزعماءُ والملوكُ العربُ يجتمعون في نواكشوط سعيا لترميم الخراب العربي.. هذا ليس يافطةً للاستهلاك كما اعتدنا أن نقرأه في مؤتمرات قمم الجامعة العربية، بل أنّ الأمر تجاوز ليكون أكثر سخريةً ومفارقةً، وأن يضع رهان الترميم (المُفترَض) خارج قواعد اللعبة، وداخل اصطفاف بعض الدول التي تريد أنْ تضع التاريخ خلف ظهرها، وأن تقترح عدوا جديدا للعرب بدل العدو القديم المُستهلَك وغير الواقعي!!.
غاب أكثر الزعماء العرب عن الاجتماع، وحضر بـ (النيابة) عنهم قادة الصف الثاني أو الثالث، وهذا ما يكشف عن عدم الجدية في النظر الى مثل هكذا اجتماعات، فالعرب السياسيون عاجزون عن التعاطي مع أية مشكلة عربية حقيقية، لا على المستوى السياسي أو على المستوى الأمني والاقتصادي.
مؤتمر القمة السابع والعشرون للجامعة العربية يضع العقل العربي على الطاولة، ويناقش كل الأمور التي لاعلاقة لها بالعقل والمنطق، فاليافطات الرئاسية، والمفردات الرئيسية في كلمة رئيس المؤتمر الرئيس الموريتاني محشوة بالحديث عن الكثير من التحديات، وعن حال الأمة المتدهور، وعن التدخلات في الشأن العربي، وهو غمزٌ مقصود لدولة معينة. لكن واقع الحال يشي بأمورٍ أخرى ستكون هي الفصل والفيصل، إذ تراهن السعودية على أن يكون هذا المؤتمر هو مؤتمرها السياسي والأمني، وأن تسعى من خلاله لفرض تصوراتها الأمنية على الواقع العربي، وحتى البيان الختامي الذي أعدّه وزراء الخارجية سيعكس هذا الضغط والهيمنة، لا سيما وأن موريتانيا قبلت بانعقاد المؤتمر على مضض بعد رفض المغرب، لأنها البلد الفقير والبعيد، وغير القادر على مواجهة غيلان المال والحرب في الخليج.
الخليج ومؤتمر القمة
تعيش دول الخليج هواجس أمّنية غريبة، وفوبيا طائفية أكثر غرابة، وهذا ما ينعكس على الأداء السياسي، وعلى علاقاتها الخارجية مع العديد من الدول، وهو ما يعني البحث عن حلولٍ، حتى وإنْ كانت بلا لياقة، لمواجهة تلك الهواجس، ولفرض توجهات عدائية مع هذا الطرف أو ذاك، لا سيما مع ايران وحزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله اليمنية والنظام في سوريا، وحتى مع الحشد الشعبي في العراق، وهو ما صرّح به قبل أيام عادل الجبير وزير الخارجية السعودي.
الرؤية الخليجية هي اليافطة الرئيسة التي ستوجّه المؤتمر، وهي الموضوع الذي سيثار حوله الجدل، والذي سيسبب حرجا للعديد من الدول منها العراق ولبنان والجزائر، لأن أغلب الدول العربية باتت فقيرة أمام المال الخليجي، وضعيفة أمام رعب تداخلاتها في شأن هذه البلدان، لذا ستكون هذه القمة بلا طعم ولا لون ولا رائحة لأنها ستكون قمّة لفرض التصوّر الأمني الخليجي على الآخرين، والمجاهرة بالعداء العمومي لإيران، ولفرض توصيف الارهاب على حزب الله وأنصار الله، وهو موقف غير أخلاقي من جانب وغير قومي من جانب آخر، لأنَّ إخراج الارهاب الذي تصنعه دولٌ معينة من سياقه وإلصاقه بجماعات أخرى هو محاولة لخلط الأوراق والهروب الى أمام، لا سيما وأنّ ما يسمى بـ (المجتمع الدولي) ودوله الكبرى لا تزال تنظر للأمر بعين أميركية، وبحسابات لها اجنداتها الاقليمية على مستوى تحديد ملامح الخارطة الأمنية في الشرق الأوسط، أو على مستوى إخراج اسرائيل من خانة الاعداء التاريخيين.
الإرهاب وحواضنه
يمثل الارهاب أكثر التحديات رعبا في المنطقة وفي العالم، لكن لم يسأل أحد عن مرجعيات التمويل والأدلجة لجماعات هذا الارهاب، ولا حتى الحديث عن الحواضن والممرات السرية والدعم اللوجستي والاعلامي، وكأن الحديث عنه سيفتح (صندوق بندورا) الأسطوري، حيث الشياطين التي تعبث بالتفاصيل، وحيث المؤسسات المالية والفقهية التي تضع الارهاب في خانة الجهاد، فضلا عن صناعة خطاب الرعب الذي يتهم أية قوة حقيقية تواجه هذا الارهاب وتكشف عن مصادره الثقافية والتمويلية.
مؤتمر نواكشوط وضع القضايا الجوهرية للعرب في سياق العموميات، وأعطى للإرهاب توصيفات مضللة، وجرّ المواقف الى عتبات أخرى، وباتجاهات أخرى ذات توجهات قصدية لها أبعاد طائفية وسياسية.
إنّ توصيف الارهاب سيظل خارج قاعة المؤتمرين، وأنَّ جُلَّ ما سيعمد اليه الزعماء العرب هو البحث عن تعويمات لهذا الارهاب، والبحث عن تفسيرات لا تتجاوز الفهم الطائفي، والدفاع عنها تحت مسميات حماية الجغرافيا السنية، ولعل ماطرحه وزير الخارجية السعودية عن رغبة المملكة لعقد مؤتمر للمناطق السنية في العراق في مرحلة ما بعد «داعش» يصبُّ في هذا الاتجاه، رغم أنه يعد تداخلا سافرا في الشأن الداخلي، وتجاوزا على مفهوم السيادة العراقية.
فرض الأجندات هو المعطى الفاضح ليوميات المؤتمر، وكما أنّ الغياب الستراتيجي الفاعل للدول الكبرى مثل مصر والعراق وسوريا أعطى للهامش السعودي أن يدفع الأمور الى سياقات شوهاء والى سياسات غامرة بالعنف والأزمات، فضلا عن توليد المزيد من المآزق التي تجاهر بهزيمة العقل العربي، وتضع الدول العربية خارج التاريخ وداخل أسئلة الحاجة دائما.

