جون جابر
عندما كنت في المدرسة في إيلينج، غربي لندن، في السبعينيات، درسنا هجرة الصناعات والناس من وسط لندن. كان أحد المواضيع المحلية في درس الجغرافيا لدينا تراجع أحواض السفن في منطقة إيست إند. موضوع آخر كان يتمثل في محاولة إعادة الناس إلى الحي المالي في لندن من خلال تشييد بناية سكنية تحمل اسم باربيكان.
الآن، وأنا أذهب بالدراجة إلى عملي الذي يقع بعد باربيكان، من بيتي في هاكني – المنطقة التي كانت في ذلك الحين غير مناسبة للعيش بالنسبة لمهني من الطبقة المتوسطة – أوجه مقود دراجتي من بين الشاحنات والرافعات التي تعمل على إنشاء مبان سكنية جديدة. تعتبر سبيتال فيلدز أرستقراطية، أما شورديتش فهي مكتظة. كل الأماكن مكلفة.
اسأل عن أي من الصناعات البريطانية التي كانت مارجريت تاتشر، بوصفها رئيسة للوزراء، قد أخضعتها لأكبر عملية تحوُّل، والتي كان لديها أكبر أثر اجتماعي، وسيجيبك كثيرون بأنها «مناجم الفحم». لكن الجواب الصحيح سيكون الوساطة المالية في الأسهم، العمل الذي كان يمارسه في الماضي رجال يرتدون بدلات، وينتقلون إلى المدينة من الضواحي، مثل هاسلمير. من خلال تحرير بورصة لندن وأسواق الأوراق المالية، اقتحم وزراء تاتشر نادي هؤلاء الوسطاء.
لا أحد يتذكر من الذي استخدم مصطلح «الانفجار الكبير» للإشارة إلى هذا التحرير، لكنه كان دقيقا بشكل ممتاز. فقد أثار انفجار النشاط التجاري والتنمية الحضرية والعولمة التي لا تزال تعمل وتتحرك حتى الآن. تحولت الأنشطة المالية رأسا على عقب وانقلبت لندن إلى الداخل: يعتبر العيش الآن في هاكني أكثر تكلفة من العيش في هاسلمير.
لعبت هاسلمير دورها. كما كتب باري رايلي، رئيس التحرير المالي السابق لـ «فاينانشيال تايمز»، في صباح يوم الانفجار الكبير، كان قاطنوها الذين يعملون في الحي المالي قد ضغطوا على السكك الحديدية البريطانية لإضافة قطار ينطلق عند الساعة 06:44 لأن الانطلاق عند الساعة 07:15 لا يجعلهم في مكاتبهم في وقت مبكر بما فيه الكفاية. «الحي المالي في لندن يقدم لبقية الاقتصاد البريطاني الراكد بعض الدروس في القدرة على التكيف والابتكار والعمل الجاد».
كانت هذه كلمات تنبؤية: الانفجار الكبير فتح فجوة بين لندن والكثير من اقتصاد المملكة المتحدة التي استمرت في الاتساع. ظهر لودزاموني (التي تعني حرفيا كميات كبيرة من الأموال)، الشخصية التلفزيونية التي قام بأدائها الممثل هاري إنفيلد، يلوح بانتصار بحزمة من النقود، في وقت قريب من الانفجار الكبير. قلة من الناس هي التي تصورت حينها ما الذي ستعنيه عبارة «الكثير من المال» خلال وقت قريب.
جئت للعمل في شارع الصحافة في تلك السنة. في إحدى الليالي، ذهبت لتناول العشاء مع زملاء صحافيين من صحيفة «ديلي تلغراف» وانتهى بنا الأمر بالذهاب إلى منزل يمتلكه واحد منهم. كان خارج بريك لين، في شارع تم تجديده الآن. شعرنا أن منطقة إيست إند فارغة ومتهالكة.
ثم تغير الحي المالي. خلال التسعينيات عملت مراسلا لـ «فاينانشيال تايمز» حول سماسرة الحي المالي والمصارف التجارية التي تم الاستحواذ عليها من قبل المصارف السويسرية والألمانية والأمريكية. نشأت فرص عمل جديدة في أنشطة غريبة: مشتقات الائتمان ورأس المال المغامر، والأسهم الخاصة، وأسواق رأس المال، والمراجحة. وجاء أشخاص جدد من باريس وزيوريخ وشيكاغو للقيام بها.
هناك صور التقطت في الثمانينيات بالأسود والأبيض تعود لسوق برودواي ـ صفوف المتاجر المحلية في منطقتي. إنها تظهر متسوقين كبارا في السن وهم يقفون إلى جانب أكشاك الفاكهة والخضراوات، والمتاجر الموجودة وراءهم محمية بألواح. إذا مشيتَ من خلال السوق يوم السبت الآن فإنك ستسمع ثرثرة باللغات الفرنسية والإيطالية والإسبانية. الجزار محب للجاز، وأكشاك الجبن مليئة بالجبن الفرنسي، وأصبح محل غسيل الملابس مساحة عمل مشتركة.
بعض هؤلاء المتسوقين يعمل في مجال التمويل. ويعمل آخرون في مجموعات من شركات أخرى يضمها الحي المالي: محامون وشركات علاقات عامة وتسويق وإعلان، وشركات تكنولوجيا ناشئة. إنه عالم يختلف عن العالم الذي كان فيه نايجل فاراج، زعيم حزب الاستقلال، يعمل في بورصة لندن للمعادن في الثمانينيات.
جذور الحي المالي تعتبر دولية، ابتداء من المصرفيين الإيطاليين في شارع لومبارد إلى سوق اليورو ـ دولار العائد للستينيات، الذي ساعد على انتعاش الحي المالي بعد الحرب. الانفجار الكبير ورفْع القيود عن العملة عملا على إزالة آخر القيود. لكن كان هناك ثمن يدفع للنمو والتدويل. جلبت أسواق رأس المال العالمية حالة من التقلب والمخاطرة أدت إلى الأزمة المالية عام 2008. وكشف الاستفتاء الذي أجري حول خروج بريطانيا من الاتحاد عن الاستياء والقلق في أجزاء أخرى من المملكة المتحدة بشأن وجود حي مالي بلا حدود، وطبيعة الأمور التي تجعل الفائز يأخذ كل شيء.
ربما ينبغي لي أن أشعر بالأسف على حقيقة أن تاتشر غيرت الحي المالي بشكل جذري تماما. كثير من الناس، وليس فقط فاراج، يحنون للماضي – العمولات الثابتة، ووجبات الغداء الطويلة، والمصرفيين المتأنقين، والمتداولين من مناطق لندن الشعبية. الركاب في قطار الساعة 07:15 من هاسلمير كانوا يعيشون حياة أكثر أمنا. الحقيقة هي أنني لا أشعر بهذا الشعور. وأنا أقود دراجتي خلال لندن، أنظر حول المنطقة في عجب. المدينة التي عرفتها كانت كئيبة وضيقة. الآن، هي مليئة بالثروة والتنوع. لقد كنت محظوظا كوني عشت تجربة هذا الانفجار المالي، هذه الدوامة البشرية، وهذا الانفجار الكبير.

