د . أمل محمد الأسدي
إن ديوان طعم الحكايا القديمة) ومن الوهلة الأولى يعطي المتلقي إشارات تحمل طابع النصوص التي يتكون منها، ليبدأ الرحلة الى عالم أشرف قاسم الفني ، الشجي، المفعم بالعذوبة، اللصيق به كما عرفناه في أعماله الشعرية السابقة، وتوخياً للدقة وطلباً للإيجاز سأدرج بعض الملاحظات النقدية عن الديوان: ١- تقوم النصوص في الأعم الأغلب على الشكوى والغزل مما جعل الديوان يفيض بتلك المشاعر الشجية التي تلامس القلب وتحاكي الروح.
٢- إن شكوى الشاعر كانت من الزمن الذي لم ينصفه وضيع احلامه ، وايضاً شكواه من الوضع السياسي الذي مر به بلده، ومن ثم شكواه من ضياع حلمه في وحدة الصف العربي وجمع الكلمة وتبدده.
٣- أما الغزل فكان رقيقاً ممزوجاً بآهات الشاعر ولواعجه التي يعبر عنها بالكلام أحيانا وبالصمت أحيانا أخرى.
٤- الغربة والاغتراب واللوعة من التغرب تلقي بظلالها على النصوص سواء كانت في الشكوى أم الغزل ، فالمرأة التي يبحث عنها قاسم شكلت معادلاً موضوعياًللوطن الذي يحلم به الشاعر ، الوطن الذي يصون كرامة أبنائه ويحفظ حقهم في العيش الرغيد ،وأحيانا نجد الشاعر كالمتصوف الباحث عن الحقيقة ، الهائم في الأرض الرحبة، يحاول الاقتراب من وجه الولي الذي يخلصه من هذا الزمن.
٥- عنوانات النصوص اختارها الشاعر بدقة وقصدية وهي ليست تقليدية وتستحق الوقوف عليها ودراستها سيميائياً في هذا العمل وفي الأعمال السابقة للشاعر.
٦-لو قمنا بتصنيف الديوان من حيث التجديد والتنويع نضع القصائد الحرة أولاً لما فيها من تجديد على المستوى الدلالي والصوتي، وثانياً :المقطوعات التي قامت في أغلبها على المفارقة والاختزال والتكثيف، وثالثاً القصائد العمودية التي جاءت تقليدية في الأعم الأغلب.
٧-استثمر الشاعر القصائد الحرة خير استثمار ليقدم لنا لوحات فنية رائعة تفيض بمشاعره ، فقدم لنا مشاهد قائمة على الحوار تارة ، مليئة بالصور الفنية الجميلة والجديدة وتارة اخرى أمتعنا بالتدويم كتدويم صيغ الاستفهام وغيرها، التي ميزت النصوص بموسيقى هادرة كما في ( طعم الحكايا القديمة، القوافل، آخر أغنية للخريف، لغات من ضباب الحزن، أوراق من دفتر الغياب، الخ)
٨-المقطوعات التي وردت في الديوان بنيت كما قلنا على الاختزال وعبرت أحيانا بسخرية عما يحدث في المجتمع نحو(وكم ذَا بمصر من المضحكات) التي تناول فيها الشاعر( نكد الزوجة، شخير الزوج، زواج الشباب ، وضع الأرامل)، وبعض المقطوعات قامت على المفارقة التي تصدم المتلقي نحو: اليوم يوم زفافها
منذ الصباح لدى الطبيب
لكي ترقع ما تمزق
من غشاء عفافها
عالج فيها الشاعر قضية اجتماعية سائدة وقدمها بهذه الصورة التي تصدم المتلقي وتستثير انتباهه .
٩- بعض المقطوعات ضعيفة لا هي قائمة على المفارقة ولا هي مبنية على التكثيف والاختزال ، مقطوعات خافتة مثل(رجل يتملى امرأة في ص١٩)
١٠- انزياحات الشاعر اللغوية وإن كانت قليلة لا مبرر لها ولم تضف شيئاً مثل( الكانت حبي) ص١٣.
١١- بعض النصوص تبدأ قوية جزلة وتنتهي نهاية مخالفة كما في ص ٣٧ ( من أين جئت) لتنتهي بـ(ياملاكي فستقة) فكلمة فستقة بددت الشعور الذي أضفاه الشاعر من بداية النص الى نهايته .١٢- أغلب القصائد العمودية تقليدية لا جديد فيها مثل( الشوق المراوغ ص ٧١ ، نشيد الأمل ص ٧٣، رسائل الى بغداد ص ٩٥، الحرملك ص ٧١… الخ) إلا أننا لانعدم وجود صورجميلة ورائعةمثل ص ٨٤
حتى الطيور التي حطت على فنني
قد حاصرتني كي تغتال مزماري
وكذلك :
أنا الغريب وعمري كله سفر
حقائبي لم تزل ملأى بأحزاني
وأخيراً نتمنى أن يقدم لنا الشاعر عملاً إبداعياً آخر يمتعنا به وبعذوبة حرفه الرقراق ، ونأمل أن تكون نصوصه الجديدة أكثر انفتاحا ً على الفنون الأخرى الدرامية والمسرحية والفن التشكيلي، مع الاهتمام بالتشكيل البصري، وما تقدم يشكل وجهة نظر لمتلق، ولكل متلق قراءة وفي الأحوال كلها يبقى أشرف قاسم هو الأقرب الى نصوصه ، فنصوصه بنات قلبه وشقيقات نبضاته.

