Pdf copy 1

       أشرف قاسم
“ رضا إمام “ هوأحد أهم الأصوات القصصية المميزة التي لم تنل حظها من 
النقد والإحتفاء نظرا لبعده عن العاصمة وتشبثه بالحياة في دمنهور على الرغم 
من صدور عدة أعمال مهمة له منها 
– رجف الذاكرة  1997 
– همزة وصل ..همزة قطع   2002
– الحدود الخفية  2002
ولاغرابة في ذلك فهو سليل عائلة أخرجت إلى الحياة الأدبية الكيثر من المبدعين منهم الناقد “السيد إمام “ و الروائي المتميز “طارق إمام “ .          
اللغة ..عتبة أولى 
في نصوص رضا إمام تجىء اللغة مؤسسة لرؤية الكاتب ، و مشكلة لنصةه ،على الرغم من تراثية بعض ألفاظها ،ولكنه يوظف كل لفظ في مكانه ..فيجيىء النص لوحة متكاملة ..ناهيك عن أن القصة القصيرة ماهى إلا مشهد مكثف ،ونصوص رضا إمام تتخذ من التكثيف ركيزة أساسية فقد ضمنت مجموعته (همزة وصل ..همزة قطع ) 85 نصا في أقل من 110 صفحة من القطع الصغير ،وفي (رجف الذاكرة ) 25 نصا في أقل من 1002 صفحة من القطع المتوسط  وفي ( الحدود الخفية ) 20 نصا في أقل من 100 صفحة .
إذن ..نحن إزاء نصوص مصفاة تحمل الكثير من الدوال والصورالفنية ،موزعة بين نقده للواقع ،ورصد الحالات الإنسانية مما يخلق نوعا من الترابط بين النص والمتلقي ..بحيوية الكاتب على إعتبار أن المتلقي شريك في النص : “ وضع كل منا قناعه المفضل وبعدما إتفقنا على حل شفرات كل الممرات ،بعدما أخذنا من الحظ الشىء الوفير تأهبنا للخروج ،حاولنا جميعا خلع الأقنعة ،إستمات بعضنا مع بعضنا ،لكن تحلقنا الهلع ،لما إستحال علينا الخلع ، فقد سرحت في الأقنعة خلايا من جلودنا ،فتطبعت ،ولم يمض وقت طويل حتى تعودنا ذلك ،وحتى ذابت تماما كل الحدود الفاصلة “ (1).
إذن نحن هنا أمام لغة متنوعة التراكيب بعيدة عن الترهل والإكتناز.. ثرية في معجمها  
تعدد مستويات تأويل النص
تتعدد مستويات النص وذلك نظرا لثراء نصوصه التي تنطلق من الهاجس الوجداني لمحاكمة الأشياء –استفهاميا واستكناه المستقبل دون النظر إلى سطوح الأشياء :
“كانت الفترينة الزجاجية الممتدة بعرض المحل المحل الكبير خالية تماما من المعروضات ،وطابوران انفردا ،على جناحي الستارة الصغيرة التي في منتصف المسافة ، ازداد فضولي ،اقتربت ،كانت عيونهم تتلصص ،تحاول جاهدة من الجانبين إختراق الستارة والزجاج ،حيث كانت المانيكانات الجبسية من الجنسين لامعة وعارية تماما “ رجف الذاكرة  ص 17.
في نصوصه يحاول رضا إمام أن يعبر عن رؤيته للواقع من خلال شخصياته التي يرسمها بعناية ،ويقدمها كما هى ..دون مكياج رخيص ،ومن خلال حالاته الإنسانية دون إدعاء بطولة ضابطا إيقاع اللغة مع كادر كاميرته التي يلتقط من خللالها النماذج المهشمة ليعبر عنها من خلال الإختزال و التكثيف :
“الآن ..لايستطيع أن يحصى عدد الصفعات المنقضية ،لكطنه انتوى ألايدير لهم خده الأيسر 
“ همزة وصل .. ص62 
   الإحتفاء بالمكان 
يمثل المكان عند رضا إمام ذاكرة حية ،وسجل وقائع ،لذا نراه يحتفي في نصوصه بالمكان بكل ما يمثله من ذكرايات وأمجاد وانتصار وانكسار ،ففي قصة (حكاية غرامي حكاية طويلة ) يقول :
“والصوت راح يكشط الجلخ المتراكم من فوق مسام الذاكرة ،فينبثق النور من الفانوس الكبير المعلق على بوابة (الجيشي )وحى شبرا القديم والدكان الصغير “ رجف الذاكرة ص131
وحين يتحدث عن وابور عتريس الأعرج للطحين في “وشم الحيطان القديمة “يتحدث عنه بحميمية كأنه  صديق : 
“أقفز داخل وابور ، وكأنني أذكره لاأزال في أيامه الأولى منتصبا كالمنارة وسط مسافات الخضرة اللانهائية ،تخرج منه لتعود إليه كل الطرقات ،والزفير الجهنمي للعمود الصدىء الجانبي ينفث بخارا كثيفا في بئر عميقة كثيرا ما كانت تعلوها بقع المازوت السوداء “رجف الذاكرة ص 102                           المفارقة
تجيء المفارقة ركيزة وتكأة أساسية في معظم نصوصرضا إمام وبالخصوص في مجموعته (همزة وصل..همزة قطع ) ذات اللوحات الصغيرة اتي تشبه المنمنمات أو الأبيجرامات التي تترك المتلقي دائما في حالة من الذهول إذ أنها لاتعطي إجابات قدر ما تثير غبارا من الأسئلة :
“إقترب خطوة ،تراجعت عشر ا ،ابتعدفراحت تلهث في البراري التي عبرها تتشمموقع خطاه “ همزة وصل .. همزة قطع  ص15.
“كانوا يستحلون دماءنا من فوق منابرهم الضاربة الصفرة ،ونحن نبني لهم في قلوبنا الأضرحة المسيجة بالخضرة والشموع والأرابيسك ومناقد البخور “همزة وصل ..همزة قطع ص 10
“هلا واريتني بسعف أهدابك قبل أن يفعلها التراب “ .همزة وصل ..همزة قطع ص 11.
هذا النقد اللاذع للواقع المزيف الذي يروج له الغوغاء بقصد طمس الحقائق يثير لدى المتلقي تساؤلات كثيرة تحتاج إلى إجابات واضحة عن قضايا الحرية والعدل والديمقرطية والحدود التي تفصل بين حرية الأفراد في مجتمعاتهم والصالح العام :
“هكذا أجبرتهم الهداهد بأن الملكة لن تجىء أبدا من بلادها البعيدة والعرش البهى نخره السوس ،وأصبح بيوتا واهنة تسكنها العناكب ،وأوصتهم بأن يصلو رحم الجفاف ،وألايعولوا على الريح كثيرا وأن يشتفيدوا قدر جهدهم من مائهم المخزون ،…هل كان يحز في نفوس أهل “العزيزية “  أن تتجمع السحب في سمائهم وفوق أراضيهم لكنها دائما ما كانت تمطر في البلدان المجاورة “ همزة وصل ..همزة قطع  ص 91.
إنها نصوص تحفل وتحتفل بالبعد المأساوي الإنساني لأنهاتدور في فلك الحياة ،وتستقي مادتها من أنين الفقراء وشظف المعدمين ،وتنكأجراح الذين أدخلوا متاهة الأحلام المهيضة..نصوص لا تصافحك من برج عاجى :
نعم “ياصاحبي ..أبدا لا يخسر من تألم وغنى للمساكين البؤساء ، من تكلم نافضا قلبه من لسعة الحروف أولا بأول ..من طاف حول السدرة وتكشف له النور ،من عبر الفتحات الضيقة كالضوء ..تاركا في غربالها الحصى والزلط ..يا صاحبي هو الذي يخسر من أتى كالنهيق ثم مضى “ رجف الذاكرة ص 36
ومن هنا نرى أن تأمل المأساة الإنسانية يفجر في نصوصه رضا إمام ينابيع الشجن وأنهار من حزن مصفى يفيضان بالنص إلى روح الشعر الذي يتسرب إلى المتلقي من بوابة الحنين التي يفتحها أمامه الكاتب على مصراعيها :
“بعد أن مسحت العينان الكليلتان على كل الوجوه وتمهلت قليلا عند العائدين من أسفارهم البعيدة كانت قد تيقنت لغيابه ،فأسلمت نفسها لبريق شريط الذكرى ،فمر فيمامر وجه الولد المقدود من الشمس والصحراء وأول بيت وبئر وفسيلة وواحة وقبيلة ونوق بيض ونخيل ثم أغمضت إغماضتها الأخيرة “ همزة وصل ..همزة قطع  ص 33
يقدم إلينا رضا إمام في نصوصه ةالحياة بكل زخمها وصراعتها في لغة شفافة كالبلورو في لوحات أخاذة منهخا ما يغوص في التاريخ والفلكلور مثل (مطر الرمادة ،صديد ،كنانة )في مجموعة “همزة وصل ..همزة قطع “ و (الطير إذا هوى ،حكاية غرامي حكاية طويلة )في مجموعة رجف الذاكرة “ومنها مايتمزج بالواقع الراهن الذي يثير لدى المتلقي الكثير من الدهشة والتأمل كنصوص مجموعة “الحدود الخفية “.
الحس الصوفي
ثمة ملمح آخر لايقل أهمية في تجربة رضا إمام القصصية وهو ذلك الحس الصوفي الواضح في لغة الكاتب وصوره وأخيلته ،ولعل ذلك راجع بالأساس إلى نشأته الريفية وتأثره بالتراث الصوفي بما يحمله من تجليات صوفية اللغة و الصورة فلا غرابة إذن أن نجد في قاموس رضا إمام اللغوي (وصال ،الأضرحة ،الشموع ،البخور ،عرش ،صهد ،نشوة ،وهج ،العشق ،الجلالة ،الشوق ، السندس ،متكأ ، شاهد ، المسك ، سديم ، نداء ، النور ، الهوى العذري …إلخ ) ولاغرابة أن نجده يقص عن الموالد والأولياء والمساجد وكل ما له صلة بطقوس الصوفية من رموز وإشارات .
الـهـم الـعـام
 يتمثل رضا إمام في نصوصه أبجديات الواقع وأحداثه وما يموج به من صراعات لاعلىالمستوى المحلي فقط ..بل على المستوى الخارجي متمثلا في قضية كل العرب “فلسطين “..وأفغانستان والعراق ويبدو ذلك جليا في مجموعته ( الحدود الخفية )التى يتلمس فيها نهنهات الحنين وآهات الوجع اليومى ودموع الفراق، واللحظات المصيرية التى لا تستوعبها نصوص ، يقرأ من خلالها رضا إمام إنفعالات وأحاسيس شخصياته راصداً على ألسنتهم ما تمور به كل نفس متمهلاً فى صياغة آلامهم بحنكة ،كما فى” نشيج القرب “و”الحدود الخفية”و”تورا وبورا”و”جزر ممنوعة من الصرف “وختاماً أقول :إن هذه قراءة متواضعه لتجربة متميزة لمبدع كبير ؟آمل أن تكون باباً صغيراً للولوج إلى عالم رضا إمام  الواسع من خلال نقادنا الكبار مؤكداً اعتزازى وتقديرى لتلك التجربة المتفردة، متمنياً لصاحبها المزيد والمزيد  من التألق.

التعليقات معطلة