بقلم الشاعر والناقد / أحمد تمساح
ج1
عن مركز همت لاشين للثقافة والإبداع صدر ديوان(شفاهك آخر ترنيمة للحياة) للشاعر / أشرف قاسم وشاعرنا يمتلك أدواته جيدا. ويسرج خيل الكلمة ويعبر البيداء والسهل والجبل بروعة المبدع وحنكة المسافر. أشرف قاسم يبحث عن الفكرة في بيادر اللغة والألق والبراءة والدمعة والندم من كل هذا الزخم يكتب الشاعر قصائده المتنوعة .
من الإهداء نجد الشاعر يهدى الديوان إلى من صنع معجزة الحرية وأن الحرية ثمنها أكبر من الدم أكبر من الروح وأن الله يبارك من يصنع الحرية ، من يحرث الأرض بالعرق والألم ، يبارك من يطرز نخيل الأمل بدقات القلب واللهفة والصبر ، من يبحث عن ترياق الوجود وحب البشرية .
يقول أشرف : الآن ثار الجائعون / ولم يعد في الوقت متسع / لتوبة عاصي / لن يسكت الجوعى/ ولن يستسلموا / حتى ولو أمطرتهم / بجميع ما في الأرض / من همجية ورصاصِ !
يؤكد أشرف على أهمية الحرية وقدسيتها وأن الجائع لا يستسلم للجوع لكن عليه أن يحرث الأرض ويحصد السنبلة بكل ما تحمل الكلمة من معنى وهاهي مصرقد نالت حريتها في ثورة يناير بدماء الشهداء وفى هذه الكلمات الموحية الموجزة يرشق الشاعر سهما في كبد الحقيقة ويحرق بخور اللحظة بالألم ويسكب اللغة في بساطة وألق . وفى قصيدة( هذى بلادك يا ابنتي ) :
للنهر – سيدتي – أنين الناي / للقلب النشيجُ / ولى انكسار النظرة / الخرساء / والصمت الضجيجُ / هذا دمى / فوق الموائد / مهرق / وحدائقي لا زهر فتح / في خمائلها / ولا انتشر الأريجُ / والحزن سرب سنابك / تخز الفؤاد / فلا ربيعك أزهرت أغصانه / تلك التي شربت / دماء العاشقين / الذائبين محبة منا /ولا عاد الصباح على مشارفنا/يموجُ/… ولي المسافة بين حلمي / وافتراش دمى / على رمل الطريق / وحفنة من حنطة / بقيت لعام مجاعة / وأنا ويوسف / دمعتان / وحيدتان / ووجه يعقوب الحزين إزاء تنكسر الخيولُ !
بأسلوب ينم عن تجربة ذابت لهيبا في خلايا الدم وصعدت نخيل الروح / الوطن عن عمد في ليل الألم والسهر ، تجربة صلت في محراب البوح ركعة ود وابتهال ، يسوق إلينا الشاعر النهر باكيا ما بين الناي والنشيج المحترق ، وحدائق الفتى لم تزهر بعد .. والحزن سنابك تدوس الأخضر واليابس وتلوك في كبد الحقيقة ويسأل الشاعر عن الوطن البعيد ، عن يوسف والسنبلة التي اغتالها الظمأ والجرح باتساع الوطن وأكثر ، فأين يعقوب الشهيد وأين الأرض والنخيل والأريج والنبض والمسافة والحنين والأدعياء تجمعهم صناديق العفن .
وفى قصيدة( شفاهك أخر ترنيمة للحياة ) المهداة إلى المبدعة / وفاء بغدادي .
أتعبتك البلاد / وأتعبك الليل والأسئلة / أتعبتك البلاد وأشعل حزنك / ركض الامانى / على طرق / من رؤى الأخيلة / يطاردك الآن قنديل ضوء ، سؤال عجوز / عن الحلم / كيف يفر إلى وطن منهك / من دموع الخطى / والرؤى القاحلة
أتعبتك البلاد / تبدل وجه الزمان / سنين عجاف / وسرب الجراد / يساوم / حوصلة السنبلة
يفيض الشاعر عشقا وتحنانا .. يعتلى ثريا الروح والمدى ، ويصطلي بالنار المشتعلة في ضلوع المسافة ، في هذه القصيدة عنوان الديوان يرسم الشاعر خارطة الكلمة من النبع إلى المصب ، لقد أبكى الوردة في خدرها وصب الزيت على النار وانتظر سفينة نوح على ضفاف الوجع ولم تأت بعد في لجج الزلزلة ولقد صعق رئة البنفسج بتيار الصبابة والتأني وأربك إيزيس وهى تفك في جدائلها /الحروف ، فهزم الجراد في حوصلة السنبلة .
وعند سدرة الوجع ما زال يسأل أشرف قاسم عن الوطن ، عن المدينة الفاضلة ومن هنا صعد الشاعر نخيل الوجد هائما ورصع المدى بالحروف البكر وجاءت القصيدة بردية عشق وردهة من الألم والتأمل في آن واحد .
في قصيدة (هي) :
هي أخر الدنيا
وأول منزل
للقلب يألفه الفتى
وتسكع الأحلام فوق الأرصفة
قمر المساء / ودفقة الأحلام / في الليل الطويل
وصوت أنات الجراح النازفة
مدى يديك / استنقذي بعضي /
فبعضي لم يعد يقوى /
على رد السهام الخاطفة
مدى يديك أمام بابك واقف
فلعلني / إن مت يوما /
أن أموت بوقفتي
أن الخيول
تموت دوما
واقفةْ !!
في هذه القصيدة يدخل الشاعر محراب الكلمة متشحا باللظى والوجع السهام يبحث عن الحقيقة عن استراحة المحارب ، عن دفقة حنين باتساع المدى ، يبحث عن لمسة في كف الوداع ، عن رعشة في الكفين عند حدود المنتهى وهو المسافر في ثقوب المسافة / الضلوع لكن السهام باغتته من كل اتجاه والشجاعة معطفه الابدى فقرر رد السهام ومقاومة المستحيل .
من قصيدة( سقط النصيف ):
جفت ضروع الغيث في جسد السحاب
ماذا تريد الآن من وطن يسافر في بروج غياب
ماذا تبقى من طفولة حلمنا ؟
أسر الخيال ؟
براءة الذكرى ؟
ودفء اكفنا على اللقاء ؟
دموعنا عند الفراق ؟
ووردة حمراء
ماتت
بين طيات الكتاب
نجثو على باب الحياة بجوعنا
ومؤذن الملك الذي دسَّ الصواعَ لنا
بليل في ثنيات الركابِ
تأتى اللغة عند الشاعر سلسة ومعبرة تأتى بأنات الدماء ، بوجع المسافة الحبلى بالضلوع ، من لوعة يوسف في بئر المحن ، من بكاء السنبلة على كف الظمأ ، من لهفة الجوعى وبكاء الثكالى ، وما زال الوطن يبحث عن يوسف والاكتفاء من السنابل ، لكن الغياب يحصدنا وجعاً ويرصعنا بالندم .
من قصيدة( رسالة إلى يوسف ) :
آتٍ من المدن العتيقة
من زمان الحالمينْ
من عصر من بذروا النهار
مشاتلاً
لغد يجيء ويستبينْ
آت من اللغة التي ما شوهت
آت من اللغة التي ما ضوجعت
من مفردات النور
يزهو
في ركاب الطاهرينْ
الله مَنَّ .. أبعد مَنِّ اللهِ مَنّْ ؟
وأبى وأمي والكواكب والقميص
ورحلة عبر الشجنْ
أترى النفوس تغيرت
أترى المكان
أمن الزمنْ
أن كنت تعلم ظاهري
فالله يعلم ما بطنْ
صاحبت (دانتى والمعرى)
وارتقيت بروحهم نحو الصفاءْ
وقرأت في ليل التوجس
“ قل هو الله أحد “
فنهلتُ من نهر الضياءْ !
بأسلوب جذاب ورشيق وكأن الحقيقة وأدت نفسها واختبأت في معطف النهار الذي رحل خلف الجبال ، خلف المدى المعتم ولم يتبق لنا غير الدموع والبضاعة المغشوشة في سوق الندم والبكاء .
وفى قصيدة ( بيني وبين الله جسر مودة ) :
لا دين بعد الحب
حتى اعتنقْ …
عادوا
وملء عيونهم دمع كذوبٌ …
لا شيء يسكن في جناني غير حزن واغتراب
يحلق الشاعر في هذه القصيدة بروح المودة والبراءة والنغم وفى يده ألف قفاز كي يعبر الجبل صوب النور والنوار والنبيذ المعتق وفردوس النيل وان وعد الله حق للأبد .. في قصيدة( حكاية) :
أخفى الضفائر
إنَّا يا مُنى بشرُ
حكاية الحسن في عينيك تُختصَرُ
أخفى الضفائر
إن الريح عاتية
وعن حكايتنا
قد حدث المطرُ !!
وبلوعة المشتاق دوماً وارتباك القلب في لحظة حنين يودعها على ضفاف الشذا والودع ، يودعها ملكة وقد رفرفت ضفائرها تغطى المدى والريح .. يا وجع المسافة يا منى .. ميلي على كتف الحقيقة احتضر .

