د. حمد حاجي /تونس
.تصور وأنت خارج من مقرٍ ما.. وتقف سيارتكم عند اشارة المرور ..وترى صبيا بعمرك ..يهرع نحوكم.. يمسح بلور السيارة ..ويقرع على زجاج نافذتها.. وتلتفت إليك أمك: لا تبدد نقودك .. هؤلاء الصبيان من الأمس.. وانت يا بنيتي تخصين الغد.. وان ألححت .. فليس بإمكانها غير أن تشيح بوجهها عنك : لا شيء يا بنيَّتي لا شيء ..!
هكذا خرجتُ من الفصل، ركبتُ العربةَ، وقلتُ للسَّائق الأسود (عمّ عياض) اِنطلق..، وبترفٍ لففتُ نفسي في مئزر دافئ، وجدتُ نفسي مسرورة ََفي حالِِ لا تجدُ البنتُ أفضل منه، عندما تكون مع ذاتها، وتراودها اللُّعب الجميلة والدُّمى ،والأخيلة العميقة والانهماك في لعب الهواتف الخلوية تقرِّب منها ما تحب، وتدع مالا تودُّ، مشغولة ولكن سعيدة مسرورة.
أتذكَّر كل أوقات مرحي مساء الآحاد مع الخلاَّن ، وتلك النَّوادر مع أبناء الجيران والأصدقاء، وكررتُ بعض الأغاني بصوت خفيض..
ها إني أرددها الآن مازالت مضحكة حتى وقتنا، لذلك لا غرابة أن أُكرر الضَّحك من القلب مرات أخرى . وأحزن مراتِِ ومراتِِ..
بينما كانت هَبّات الرِّيح الشمالية تشوِّش عليَّ أفكاري في بعض الأحيان، وأحياناً كانت تصفع وجهي ناثرات الثلج الباردة، وتملأ أثوابي حتى يبدو كالشِّراع في مهبِّ الرِّياح، أو تمر فوق رأسي صافعة قاسية قويَّةََ.
العربة تتمايل تتهادى، تهدهد الأوصال.. تريح الأعصاب ..ويأتي الدُّوار والنُّعاس..
فجأة وفي منعطف قصيِّ شعرتُ بأن هناك من يجرُّني من معطفي، التفت فرأيتُه رجلاً .. قامته طويلة، في ملابسه الفضفاضة ، لاحقْتُه حقيقةََ برعبي فحسب .. في قامة عمِّي عياض، متورِّد وجهه أبيض كالثَّلج، وكان يتطلع إليَّ مثل جُثَّة نازلة من عمق السَّماء، لكن هلعي بلغ أشدَّه عندما رأيتُ الرَّجل كالميِّت يفتح فمه وتخرج منه رائحة الخمر كالقبر الرَّهيبة …
– آه، أنتِ هنا بين أحضاني .. هنا بين أذرعي عميقا نامي وأخيراً ! وصلت لك، من العربة! أنا بحاجة إليك.. وانهمك يقرصني من صدري ويهمهم ..كأنه يقضم تفَّاحتين.
– لا تقولي لأحد..وهاتي محفظتك..
لم أفعل أي شيء لأفكَّ روحي أو لإستردادِ محفظتي، فقط قمت بتوبيخي، الآن خذي حذاءك، بهتت حدَّ الموت، على الرغم من أنني كنتُ شجاعةََ مع أترابي وبحضور من هم أكبر مني عمرا، ومتميزةََ بكامل صفات الرجولة في الشَّكل والمظهر، أما و في تلك اللَّحظة، أصبحتُ مثل العديدات المهزومات، اللَّاتي في مواجهة الرُّعب يرتابهنَّ الخوف، ويعانين الفشل.
لبستُ سروالي ..
وقفلتُ أزرار سترتي على عجل ..
وقذفتُ محفظتي من على كاهلي، وطمرتُ نفسي في جُبني..
بل وفي خلال أقل من تسع دقائق كنتُ أمام مدخل بيتي خائفةََ، وبلا محفظة،
ذهبتُ إلى عمق البيت، توجهت إلى غرفتي، دخلتُ بيت الاستحمام …
كانت ليلتي كئيبة ومرعبة، في صباح اليوم التالي وعلى مائدة الفطور قالت لي أمي: (أنت شاحبة اليوم، بنيَّتي)،
أطرقتُ أفكِّرُ أخالها تسألني عن المحفظة ولم أقل لأحد ما حدث لي، وأين كنتُ، وماذا كان ينوي القيام بي؟
.. ما حدث خلَّف أثراً عميقاً في نفسي، وبدأت أُقلل من مقولاتي الشَّهيرة لأمي: (كيف تجرئين؟ هل تدركين من الذي يقف أمامك؟ أنا.. ابنتك رجل..) لكنَّني حين أتحدث أصبحتُ أكثر رغبة في معرفة تفاصيل الموضوع وما حصل لجسدي ..
و الأهم أن شبح سارق المحافظ لم يعد للظُّهور،
ولم أكن أمني النفس الا : يبدو أنَّ المحفظة قد ناسبت كتفيْ ابنته، وفي جميع الأحوال ما عاد يُسمَع عن حوادث خطف المحافظ او المؤخرات.
أصرَّ بعض أصدقائي حين حدَّثتهم عن أن السَّارق الميِّت مازال يظهر بهيأته في أماكن مختلفة من القرية. وجاءت الأخبار تُصدِّقني ، أن أحدهم من البؤساء شاهد بعينيه شبحاً محدودبا قادماً من خلف أحد المنازل، لكن هذا البائس لم يقبض على الشَّبح، بدلاً من ذلك تبعه إلى ممشى القبو المؤدي للجسر، كان يمضي ويدور..
توقف فجأة ثم التفت إليه وشتمه: هل ما زلتَ تترصَّدني ألا تخاف الأشباح .. عُدْ؟،
وهزَّ من أمامه حجرا ضخما، أضخم من أي قبضة بشر حيِّ أو يمكن أن يتحمَّلها كائن حيِّ. (لا….)
لم يكن بوسع البائس إلا أن يطلق ساقيه عائداً…وترك الشبح يعبر الجسر..
– هو ذاك يا ماما.. ذاك الذي وقف بإشارة المرور..المحدودب.. الشَّبح..
يسير دائما باتجاه الجسر ينتظر أخريات لـــيلفُّهنَّ بالظَّلام !
ويمسح مؤخراتهن كما البلور..

