محمد نجيم
هو فنان مغربي استثنائي بلا شك، شاعر التجريد، فنان الغرابة والدهشة التي تسكن أعماله بفنية وشاعرية ورقص روحاني وصوفي جميل؛ إنه الفنان المغربي والعالمي عبد الكبير ربيع الذي جالت لوحاته أروقة العالم ودور العرض الشهيرة.
ولهذا الفنان وزنه كرائد ومؤسس للحداثة التشكيلية في المغرب والعالم العربي؛ بفلسفته الخاصة وطريقته في الاشتغال وطرح مواضيع لوحاته المذهلة. ويعد عبد الكبير المولود في قرية مغربية صغيرة (بولمان) سنة 1944، واحداً من الفنانين العصاميين القلائل الذين استطاعوا بشكل مذهل، التعالي عن واقع كونهم لم يستفيدوا من أي تعليم فني مؤسساتي. مدفوعاً، منذ ريعان شبابه، بفضوله الحماسي، وقدرته القوية على ربط علاقات ودية وصلبة قائمة على الاحترام والثقة، فقد دفع نفسه إلى الاهتمام بالفن وتقنياته وتاريخه ونظرياته. وبدأ مبكراً بمصاحبة الفنانين، بدءاً بالفنانين المستشرقين الذين استقروا في المغرب، وخاصة في مدينة فاس، إذ بمقربة منهم تمكن من أن يصوغ مهارة تقنية جيدة في الصباغة التشخيصية، وبفضل لقائه ببرنارد دوريفال Bernard Dorival، وفنانين من مدرسة باريس، سيتمكن هذا الفنان من إدراك واستيعاب، عن قرب، الصباغة الحركاتية gestuelle والصباغة التجريدية الموصوفة بالغنائية.
وبحسب الناقد الجمالي محمد رشدي، فهذا الفنان لم يقم بأي اختيار قطعيّ ونهائيّ بين هاتين النزعتين الفنيتين: التشخيصية والتجريدية. لأنه يحتاجهما بشكل أساسي، بصفته فناناً وإنساناً، سيتردد بإيقاع راقص بين هذين الشكلين التعبيرين، غير باحث لا عن أن يُعلي أحدهما على الآخر أو يضعهما موضع معارضة، لكن لينسج أعماله في استمرارية ثاقبة. ووحده القادر على إدراك دقة الروابط الصَمِيميَّة بين هاتين النزعتين، يستطيع بالفعل استيعاب قوة النَّهْجِ الإبداعيّ لعبد الكبير ربيع، الذّي يمزج التجريدية في التشخيصية، والعكس بالعكس.في الكثير من لوحاته، يستدعي الفنان عبد الكبير ربيع اللون الأسود بما فيه من سحر وغموض وقوة لينجز لوحته، التي تتدفق منها الدهشة؛ إنه يقتص مساحات شاسعة من بياض اللوحة وفضائها ليضع ذلك الإرجاف الشعري الذي يبثه السواد بمضمون فنّي عالٍ.
إن الفنان ربيع، كما قال عنه الناقد مصطفى الشباك، لا يكتفي بالصباغة باعتبارها تمريناً بصرياً وحيداً؛ وذلك من خلال تجريدها من هيئات اللون والرسم وحتى المادة، المعتادة، مقلاً منها عبر زهد في الحركات، في لحظات هاربة للتعبير، ليبلغ حقولاً أخرى.لقد نجح الفنان ربيع، إلى حد ما، في تطويع حركة الريشة، لخلق لوحات بقيمة عالمية تنتصر لأبعاد الصوفية والتجريدية في لوحاته، مع خلق تناغم مبهر بين اللونين الأبيض والأسود، وتلاحم كبير بين الضوء والعتمة.

