Pdf copy 1

وجيه عباس
منذ أربعين صباحاً وحتى عصر هذا اليوم، ينام أبو كنعان في قبره، وابو كنعان هو عدنان الايوبي، ابن اخ اول رئيس للوزراء في العراق (جودت صالح الايوبي)، العراقي الوحيد الذي لا يمتلك شعرة سوداء في وجهه، شعره وحواجبه وشاربه الكث وحتى لحيته التي لم يسمح لها بالنمو لنطلع عليها من اجل تثبيتها في كنية حياته الموثقة في هذا الراس الذي يتساقط اصدقاؤه بالموت…او بالخيانة!….كان ابيض الوجه.. هكذا عاش…وهكذا مات.
كلما أهيء فنجانا للقهوة…يلوح لي وجه ابي كنعان، هل رأيتم رجلاً رائحته القهوة؟…
اول مرة التقيت بابي كنعان حين كان مديرا لادارة شبكة الاعلام العراقي، منذ اول لقاء التقيته جذبني اليه لقب الايوبي…وانا اشهدكم ان عدنان الايوبي لم يحمل سيفا في حياته، بل كان يحمل نكتته الكبيرة وضحكته التي تملأ أي غرفة يكون فيها، لم يحرر القدس ولم يرق اية قطرة دمٍ… لكنه برغم نظارته الطبية الغليظة النظيفة دوما.. كان صاحب فتوحات حياتية لم اجدها حتى في صلاح الدين الايوبي نفسه!
الموت صاحب عوينات طبية ومكبرة يبصر فيها أسماء قائمته التي تمتلئ بمن سيغلق عينيهم على عراق غريب، وقبل أربعين صباحا، كان صاحب مرض السكّري وهو يعبر الثمانين حبة من الدواء الفرنسي، فاجأه الموت كمن يريد سرقة آخر نظرات من عينيه، وبقيا دقات قلبه المثقل بالخيبات…قال له: يكفيك ما تحملت في حياتك…تعال معي.. اصطحبه مثل طفل الى حيث ينام الان تحت ظل قبر ظل ينتظره سنوات وسنوات من اجل ابتلاعه… الوجه الوحيد والروح الوحيدة التي تعلقت بها طيلة سنوات في شبكة الاعلام هو عدنان الايوبي…
حظي الجميل جمعني والايوبي ستة اشهر قبل الرحيل من شبكة الاعلام، غرفة في ممر إذاعة بغداد، سيقول الجميع انها الغرفة الوحيدة التي كانت تعبق بحياة طعمها القهوة، كل صباح، احمل في راسي افكاري الساخرة، وانتظر دلّة ابي كنعان، شلونك أبو علي… اغاتي أبو كنعان… نسوّي كَهوة؟ الكَهوة من ايديك اطيب شيء في العراق… وتبتدأ مسيرة القهوة المغمّسة بروح هذا الشيخ البغدادي… غرفتنا الوحيدة التي كانت تمتليء بكل الوجوه، اساطير إذاعة بغداد الحبيبة، الفنانون القدامى الذين يزورون غرفتنا ويستمعون لانواع التحشيش الذي ينتهي بالضحكات، ستة اشهر من حياة غير مغمسة بالقلق على الرغم من انها كانت اشبه بالسواطير على الجميع، كان مهووسا بالحقائب الجلدية الصغيرة، كانت طقوسه التي يجمع بها فتات ذكرياته العراقية، كان اشبه بمادة بحث عن الشخصية البغدادية التي تنازل عنها الساقطون من شجرة البنفسج… أتذكر نكاته وتعليقاته التي لا يسلم منها احد، كان احد مصادر روحي الساخنة والساخرة…والساخطة، لكنني اعلن الان امامكم أن اكبر نكتة سمعتها اليوم ان عدنان الايوبي مات منذ أربعين صباحا…ولم اعلم الا حين اتصلت على هاتفه لتجيبني ابنته ان أبا كنعان قد مات منذ أربعين ليلة!

التعليقات معطلة