ينبغي لنا ،بين آونة وأخرى ، وفي سياق تقييم أية حالة نشهدها بعد انعطافة نيسان (2003) سواء في السلب او في الايجاب ، العودة الى الماضي دائما ، ليس قطعا بوصفه عصرنا الذهبي ، كما يذهب الظن ، أو كما يعتقد معتنقي السلفية ، وأنما من اجل المقارنة القصدية على وفق اللوائح والشرائع الانسانية لحقوق البشر ، وتأسيس صورة واضحة القسمات لما يعتري حالنا اليوم …

لقد شهدت موضوعة حق الانسان في ممارسة حرية التعبير عن الرأي أبان العراق الملكي أنتعاشا نسبيا على الرغم من أستبداد السلطة في مواضع وحالات عدة ، وكانت تلك الحرية تتجلى في كثرة وجرأة عدد من صحف المعارضة من مثل (البلاد ) و(الاهالي) و(الفرات) و(الشرارة) وغيرها من الصحف، الحزبية منها أوالمستقلة .

وكانت من ابرز سمات صحافة العراق الملكي ، حريتها النسبية في تناول موضوعات تقع في صميم حياة الناس ونشاطات الحكومة ، فكم من حكومة أسقطها عمود صحفي ، وكم من زوبعة اوقعت البرلمان في حيص وبيص أطلقها مقال او خبر ، كشف المستور (على ضآلة حجمه مقارنة بما خفي اليوم وهوحتما اعظم)، فضلا عن محاولة تلك الصحافة الالتزام بنشر الرأي الاخر ضمن باب حق الرد ، وليست السجالات المحتدمة على صفحاتها سوى تكريس لحراك ديمقراطي ناشىء ، والسجال المتأجج بين انصار سفور المرأة وبين أنصارتحجيبها الا مثالا واحدا من امثلة عدة ..

اليوم ونحن على عتبة السنة التاسعة بعد ان اندفع العراق خارجا من قمقم الاستبداد المقيت الى فضاءات لم ترسم حدودها بنحو واضح ودقيق حتى اليوم ، اذ لم تزل حزمة من قوانين اساسية معنية بتشريع قانون للصحافة وشتى وسائل الاعلام الاخرى ، مثلها مثل قانون اجازة الاحزاب والمنظمات المختلفة وغيرها من القوانين، الامر الذي ترك الابواب مشرعة آمام الخائضين والنفعيين والذين في نفوسهم غرض او مرض لان يطأوا ميدان الصحافة جاعلين منه حلبات لالحاق الاذى والضرر بأنساق لم تزل في طور التشكل من مثل المجتمع المدني والسلم الاهلي وفهم وتجسيد معادلة الحقوق والواجبات ضمن آطر قانونية متحضرة ..تدفعهم مقاصد انوية اوجهوية ضيقة تارة وتارة آخرى برامج طبخت في دهاليز مخابرات دول الجوار (الشقيقة والصديقة)،،،

اليوم ونحن نكابد آذى هذا الواقع الشاذ او الدخيل، هناك ثمة التماعات مهنية ترقى إلى تقدير وتضامن الشرائح الموقنة بأن مستقبلنا لن يشخص ابدا ازاء مرأى العين إن لم نفضح وبنحو جريء وشجاع نمطية الواحدية النتنة بكل تمظهراتها الدوغمائية سواء كانت دينية او ايدلوجية او عرفية ظلامية ..، وقد بتنا نلمس جهداً من هذا النوع على صفحات عدد من صحفنا وقنواتنا الاعلامية الاخرى (على قلتها )، الامر الذي جعل آمالنا تتوطد باتساع برزخ المدافعين عن حدود ( ايثاكا ) او(المدينة الفاضلة) او مدينة تليق بنا كبشر، سمها ما شأت ، وانحسار رقعة البرك الاسنة لاشنات الظلام الجائفة . وحري بنا بوصفنا بشر اولا ومواطنين ثانيا تعضيد هذا الجهد الشريف الذي من دونه قطعا سننكص عن انسانيتنا لتعود من بعد ذئاب الاستبداد على اختلاف مسمياتها متحكمة بمصائرنا ودفعنا الى مهاوي الموت او في تقدير اقل الى الشلل والانكفاء عن المشاركة الايجابية في صنع الحياة.

التعليقات معطلة