الاجتماع ظاهرة اجتماعية ، وعندما يعطي ثمارا يكون ظاهرة حضارية ، وعندما ينتج عصبيات وأزمات يبتعد عن الفعل الحضاري ويدخل في حاضنة التخلف والجهل.
السماء انتدبت العقل ، ورشحته للقيادة ، فقالت: “العلم رائد والعقل قائد” والدول التي عرفت سر النجاح والتقدم ، هي التي اكتشفت مكانة العقل وأهميته وأعطته الفرصة للعمل وللتأمل وللإنتاج ، فانتظم أمرها ، وحسن اجتماعها ، وازدهر اقتصادها، واستقر أمنها.
ونحن في العراق نحتاج الى :-
1- الأمن أولا.
2- الاستقرار الاجتماعي ثانيا ” أي المصالحة ”
3- السلامة الاجتماعية والثقة ” أي النزاهة ومحاربة الفساد.
4- التنظيم الإداري ، والتنظيم القانوني.
5- الاستقرار الاقتصادي.
6- النضج الثقافي والفهم السياسي.
وهذه المحاور جميعها تحتاج ” العقل ” بمعناه الذي تتحقق فيه الريادة والقيادة ، والقيادة : ترد إلى ما يلي :-
1- تدبير الشؤون الفردية.
2- تدبير شؤون الأسرة.
3- تدبير شؤون القبيلة ، في المجتمع القبلي ، وتدبير شؤون المجتمع المدني ، في المجتمعات المدنية .
4- تدبير شؤون الدولة والحكومة.
وهذه الميزة التي أمتاز بها العقل لأنه يتفرع عنه مايلي :-
1- الحلم ، فيقال فلان حليم للمدح والافتخار أي حكيم ” ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وقال تعالى :” وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب ” .
2- العلم : وقد أعطيت الريادة في الحياة للعلم ، والدولة من المؤسسات التي لاتنهض إلا بالعلم ، وقد كان الاسكندر المقدوني يستشير ” أرسطو ” الذي كان المعلم الأول للمعرفة البشرية من خلال ” نظرية التوالد الموضوعي ” الى أن جاء محمد باقر الصدر واكتشف ” نظرية التوالد الذاتي ” في تفسير المعرفة البشرية ، فأصبح هو المعلم الأول لنظرية المعرفة البشرية ، وذلك بالعلم لابشيء آخر ، وبالعلم حمل عرش بلقيس ملكة سبأ الى أرض فلسطين حيث مملكة النبي سليمان بلحظة ( قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده ، قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) – النمل – 40-
3- الرشد : وهو درجة عالية من الكياسة والتوازن في اتخاذ القرارات .
4- العفاف : وهو درجة عالية من التربية النفسية التي تجعل صاحبها رجلا كان أو امرأة يترفع عن جميع الشهوات والشبهات ، قال تعالى 🙁 يا أخت هارون ما كان أبوك امرئ سوء وما كانت أمك بغيا ) – مريم – 28-
5- الصيانة : وهي قدرة نفسية وعقلية تجعل صاحبها يتفادى المطبات والهفوات ، فيصون عرضه وعرض الناس ومن يتمتع بهذه الصفة يكون أمينا على أملاك الدولة ، وهذا ما نفتقده اليوم في الدولة والحكومة مع وجود الاستثناء وهو نادر وقليل.
6- الحياء : وهو الرداء الحقيقي للروح والعقل والنفس ” ولباس التقوى ذلك خير ” وحياء المرأة دليل عقلها وعلمها وحلمها وعفافها وصيانتها ” جاءت إحداهن تمشي على استحياء ”
7- الرزانة : وهي قوة الشخصية بكل أبعادها.
8- المداومة : وهي الاستمرار على العمل الجيد المنتج قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : وعلمت أن عملي لايقوم به أحد غيري فاجتهدت ” وهذا ما تحتاجه حكومتنا ، وما يحتاجه مجتمعنا ، فقوانين الدولة مازالت تحتاج المزيد من التشريع والتنظيم والتطبيق ، والعمل يحتاج منا المزيد من الجدية والاستمرارية ، وعدم جدية بعض عمالنا هو الذي جعل بعض الشركات تجلب العمالة من الخارج وهذا خطأ فادح.
9- كراهية الشر : قال رسول الله “ص” : حب لآخيك ماتحب لنفسك ” وكراهية الشر هي تربية مستمرة على حب الخير .
10- طاعة الناصح : ولا ناصح إلا الله ثم رسول الله “ص” ثم الأئمة الأطهار من آل البيت عليهم السلام ، قال علي بن أبي طالب عليه السلام : ” نحن أنصح وأفصح وأصبح ” والنصيحة هي من مواصفات القيادة التي تبسط العدل ، وكان رسول الله ” ص” يوصي بالنصيحة : قالوا لمن يارسول الله ؟ قال : لله ورسوله ولعامة المسلمين.
والإنسان اليوم ينتمي الى مجتمع ، والمجتمع كما رأينا لا يصلح إلا بالعقل وما ينتج عن العقل من عشرة مراتب وخصائص هي للنفس والروح والعقل ، فالمجتمع يحتاج التعاون ، والألفة والمحبة ، والتنظيم ، والعمل ، والثقافة ، والسياسة ، والأمن ، وهذه جميعها لا تتحقق بدون العقل بمعناه المعرفي.
والإنسان يحتاج الوطن : كحاضنة استقرار وهوية تمنحه : الجنسية وشهادة الجنسية ووثيقة السفر ( والأرض وضعها للآنام) والوطن بقعة جغرافية من الأرض التي نسميها اليوم بالكوكب الأزرق ، فهي بيتنا الكبير والوطن هو بيتنا الصغير ،والمنزل هو بيتنا الأصغر.
والوطن يحتاج العقول مثلما يحتاجها الاجتماع ، فالوطن يبنى بالعلم والعلم فرع من العقل ، والوطن يحتاج أهل الحلم والحكمة لاسيما عندما يمر بالأزمات ، ووطننا العراقي اليوم يمر بأزمة بل أزمات ، فيجب أن تنتدب العقول لذلك ، والعقول لا يشترط وجودها في الأقارب والأحزاب ، ولا في العشيرة والحزب ، ولكنها موجودة على كل حال ، فيجب البحث عنها ومنحها الفرص لتقول كلمتها التي سوف لن تكون فئوية ولا عنصرية ولا طائفية ، ولا حزبية ، لأن العقل وعلومه تتحرك بأفق السماء ومعطياته ، وبأفق الحقائق وسماتها ، وبأفق المنطق وهندسته العقلية وتنظيمه الفكري ، فعندما نكون مع العقل يسهل علينا حل مشكلاتنا ، وعندما نكون مع العقل نختصر الوقت والجهد ، وتكون اجتماعاتنا عندئذ مثمرة ومباركة ، وكل مبارك نافع ، وكل نافع هو إنساني وحضاري.
فلنعرف كيف نجتمع ومع من نجتمع ، قبل أن نفكر أين نجتمع ؟ ومتى نأكل؟ وكيف نجلس؟ وكيف نستقبل؟ فمع العقل يتم تجاوز كل ذلك بفهم يريح الجميع.
Dr_tamimi5@yahoo.com

