مازال الحديث عن التغيير الذي حدث في العراق عام 1958 يجري بلغة العواطف، فمازلنا نجد من يكتفي برفع شعار “المجد لثورة 14 تموز” ناسيا أن ذلك الحدث أصبح من ذكريات الماضي التي انطوت دون أن يدري أحد من العراقيين كيف انطوت؟ ومن كان وراء توقف حركتها، مثلما لا يعرف أصحاب هذا الشعار أنهم امتداد لمن كان سببا في انطفاء وهجها بسرعة مما ساعد أعداءها على أن  يضعوا أيديهم بسرعة وخفاء مع اليد التي تحتل العراق اليوم، فيضربوا وزارة الدفاع العراقية بطائرة قادمة من الأردن ثم يقوموا بقتل الرجل الوطني المخلص عبد الكريم قاسم، بتوجيه جاسوس للاحتلال كان موجودا في مقر الإذاعة العراقية، لم يكن أنجاز 14 تموز عام 1958 قد أخذ وقتا كافيا ليمارس تشريعات الثورة وأطروحتها في بناء المجتمع والدولة على أسس حضارية كان ينتظرها العراق طويلا؟ فبالرغم من خطوات عبد الكريم قاسم الشخصية في محاورة شركات النفط لاستصدار قانون رقم “80” ، وقانون الإصلاح الزراعي، ومشاريع الإسكان في المحافظات ألا أن من كان حول ومع عبد الكريم قاسم لم يكن يحمل ذهنية الثورة في معانيها ألاجتماعية والسياسية، بدليل أنهم انقسموا إلى مجاميع، منهم من تعامل مع الحدث بروح مراهقة ضيعت الفرصة على الجميع لأنها كشفت عن هوية غير وطنية بتعلقها بإيحاءات الخارج ، وتظاهرات ” ماكو مهر وباجر نرمي القاضي بالنهر ” كانت تعبيرا عن تلك المراهقة التي سارعت بوئد وهج الحدث ، وهتافات ” عاش زعيمي عبد الكريم الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي ” أظهرت مدى سطحية من يردد هذا الهتاف مثلما فتحت عيون الآخرين على العمل بعكس هذا ألاتجاه ، والمجموعة الأخرى لم تكن أقل سطحية من المجموعة الأولى فراحت تغني لجمال عبد الناصر وهو لما يزل يعاني من أثار حرب السويس عام 1956 ، ورفعت شعارات القومية العربية التي أدخلت الشارع العربي والعراقي في فراغ فكري كانت نتائجه أن يصبح البلطجية ورواد النوادي الليلية أبطالا لتصنع منهم المخابرات الأجنبية عملاء لتصريف بضاعتها في زراعة الكراهية بين أبناء الأمة الواحدة ، ولم ينتبه أحد الى أن القومية وجود والوجود يحتاج الى رسالة ، ولا يصلح أن يكون الوجود رسالة ، لآن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن رسالة الوجود هي رسالة السماء لمن يدرك الأمور بشكل علمي أو فلسفي يعرف كيف يتحرك البرهان في دائرة الأذهان، ومن أدل الأمور على ذلك والتي جاءت متأخرة أن كل الذين مضوا في طرق الضياع الفكري، شيوعية، أو بعثية، أو قومية غامضة، أو عنصرية، قد وصلوا إلى نهايات الفشل والإفلاس الجماهيري فرجعوا يتسولون رداء ألإيمان المخادع والسطحي، ففي العراق بعد أن تمرد صدام حسين على كل القيم ومنع قراءة القرآن من على سطوح المساجد بعنوان منعا للضوضاء عام 1974 رجع في التسعينيات بعد ألانتفاضة الشعبانية ليطلق ما يسمى بالحملة الإيمانية، وحاولت بقية الأنظمة أن تقلد نفس الشيء ولكن بخطوات ظل المسجد أكبر منها، وفي التحركات للشباب اليوم في البلدان العربية كان شعار “الله ، الوطن ، الحرية” هو الشعار الأكثر ظهورا والأكثر شعبية، وفي العراق أصبحت الحاضنات الحقيقية للتحرك الشعبي هي مسيرات الزيارات الدينية ، العاشورائية والشعبانية، والكاظمية، وحملات الحج والعمرة هي الأكثر على مدار السنة.

حدث كل هذا مع 14 تموز ومع غيرها وما يحدث اليوم للحكومات والأنظمة لأنها لم تكتشف روح الثورة بإطارها الفكري، ولم تحقق ملاك القيادة بشخص الأفراد ، كان عبد الكريم قاسم يخطب ارتجالا لمدة أربع ساعات في الجمعيات الفلاحية أو في نقابات العمال أو في مهرجان الفيلسوف الكندي ، كان ذلك يحدث للفراغ القيادي الموجود، فعبد الكريم قاسم كما قلنا كان مخلصا ووطنيا وهذا وحده لا يكفي للقيادة على مستوى الدولة الخارجة من حلف السنتو والمحاطة بمحاور الشيوعية ونهمها في ذلك الوقت، والقومية وشعاراتها العاطفية التي لا تصنع فكرا ، والرتل الرجعي المرتبط بحلف بغداد وجيبوبه الموزعة في المنطقة ، ولم ينتبه أحد للاختمار الإسلامي تاريخيا والذي يمتلك جاذبية لا تقاوم تختلط فيها الفطرة مع العاطفة ، مثلما يختلط الموروث بمستجدات الحياة ليصنع منها موقفا هزم حزبا شيوعيا بفتوى واحدة ، ولم يسترع انتباه السياسيين ظهور مجلة “الأضواء” في النجف الاشرف التي كان يكتب افتتاحيتها فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر وذلك عام 1958 وكان يعاون السيد محمد باقر الصدر اثنان من ألمع طلبة الحوزة في تلك المرحلة وهما المرحوم أية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي أصبح لاحقا رئيسا للمجلس الإسلامي الشيعي في لبنان والمرحوم أية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله المرجع اللبناني الكبير، وكانت المجلة بإشراف منتدى النشر الذي يشرف عليه مرتضى أل ياسين، وكانت تلك المجلة تنشر بشكل مبكر فكر حزب الدعوة الذي تأسس في 17 ربيع الأول سنة 1377 هجرية الموافق للشهر العاشر من سنة 1957 ميلادية .

لقد اجتمعت إشكالية الثورة بمعناها المعرفي مع إشكالية القيادة بمعناها القيادي، فأختنق الحدث بدخان ألازمات أحداث الشواف عام 1959 في الموصل وأحداث كركوك، ثم محاولات عبد السلام التي لم تكن تتضمن نضجا سياسيا، ثم أحداث شارع الرشيد عام 1961 والتي انتهت بحادثة انقلاب عام 1963 ذات المردود الكارثي والذي تم بصناعة أجنبية بامتياز، ومن الغريب أن أحدا لم يعتذر للشعب العراقي ممن ساهموا بتلك الأحداث الملوثة بكل معاني التلوث على الصعيد الوطني والأخلاقي والسياسي.

التعليقات معطلة