يبدو شقاء وألم شاعر المطر لم ينقطع عنه لا في الحياة,, حيث الفقر والمرض والخوف والحرمان ولا بعد الممات,, حيث ريح الإهمال التي تهب على سيرة هذه القامة الإبداعية الشامخة بخالص شعرها وحداثة وعيها وعمق روحها ولعا وهياما بالجميل العراق الذي قال فيه ما يعجز ذكره في هذا المقال : 

(اغمر بعسجدك العراق .. من طين العراق جسدي.. ومن ماء العراق) أم رائعته في حب الظلام -اضطرار- حين يحتضن العراق : ( الشمس أجمل في بلادي من سواها … ) وغيرها من مآثر ما أعطى ( بدر ) وما قدم طيلة عمق عمره القصير الغزير بالشعر وروعة نقاء الوطنية .. سبيل وغاية هذا الاستذكار الحزين – والحزن ليس بجديد على السياب – حيث كان لي شرف أقناع الفنان المثابر ( سعدون جابر ) حين التقيته منذ مدة قريبة في دمشق والذي تجشم قبل أكثر من عشرة أعوام إنتاج مسلسل درامي غنائي كبير بثلاث عشرة حلقة تلفزيونية عن حياة السياب – لم ير النور حتى كتابة هذا الموضوع – بضرورة عرضه على أحدى القنوات الفضائية بعد كل ما رافقه – حينها – من منغصات و دعاوى اعتراضات من لدن إحدى كريمات السياب وتم حسم القضية من قبل القضاء العراقي لصالح هذا العمل الذي كتبه الكاتب الراحل ( سامي محمد ) وأخرجه المبدع ( فارس طعمة التميمي ) وجسد أدواره الفنان المخضرم يوسف العاني وبهجت الجبوري وهند وهديل كامل ، ميمون الخالدي، ستار خضير، وحكيم جاسم الذي أدى شخصية السياب كونه الأكثر شبها بها ,, فضلا عن مشاركة سعدون جابر في التمثيل وغناء أحدى عشرة قصيدة لحنها كبار الملحنين العراقيين ,, وقد قمت بنقل أشرطة المسلسل الى بغداد معللا نفسي وذائقتي الشعرية ومعرفتي  بإدارات الفضائيات وأهمية الاحتفاء بمبدعينا، من هنا قمت بالتفاهم مع الفضائية العراقية بثقل تأثيرها و إمكانياتها ,, وتم فعلا الاتفاق على سعر الحلقة بما لا يتناسب – أصلا – وكلفة الإنتاج وقيمة ما يحمله العمل ,, لكن الهدف كان أكبر وأسمى من الماديات .

سلمت الأشرطة كاملة في الثالث من حزيران الماضي بموافقة سعدون مبدئيا على أمل احتمال عرض المسلسل في رمضان هكذا كان التوقع ,, وبعد تمطيط وتأجيل وتبرير حول إمكانية نقل الأشرطة من نظام معين الى آخر – وبعد التي واللتيا – تبين ان العراقية لا تملك غير جهاز واحد للتحويل والفحص وهو محجوز لأعمال أخرى !!!

 لم أتصور أن يكون التأجيل بطول هذه المدة على مسلسل مثل السياب بالمزايا التي أوردناها لمجرد الفحص والبت بصلاحية عرضه وبإمكانيات فضائيتنا العراقية التي كنا نتوقع ونظن  ؟!!

  وحين أعيتني الحيلة والوسيلة بأخذ كلمة تحسم الموضوع حيال الملل والخجل الذي أصابني أمام نفسي وتبريراتي اللا مقنعة لصديقي سعدون وعدم الرد المناسب على الرسائل النصية أو الاتصال المباشر الذي يأتيني بـ(القطارة) من مدير القناة المهذب حد البرود وعدم الاكتراث فاجأني في السادس من رمضان الحالي / السادس من آب اللهاب – وأنا في حسرة غمرة مبررة تنتابني وأنا أتابع مسلسل ( في حضرة الغياب ) عن حياة الشاعر محمود درويش عبر شاشة السومرية – لكي يخبرني بعد ان اتصلت به أنا طبعا – : مسلسل السياب غير صالح بسبب ثلاثة مشاهد تتعلق بأمور سياسية حدثت قبل نصف قرن ولا يمكن تلافيها من خلال عمليات المونتاج .. يجوز ؟!  فمعذرة – بالنيابة – لشاعر الحزن والمطر مرة أخرى .

التعليقات معطلة