بالرغم من أنني توقفت عن ممارسة مهنة الطب هذه المهنة ألانسانية التي أحببتها وقضيت زهرة عمري أجد وأجتهد من أجل التمكن من أتقانها والعيش مع معاناة المرضى , والى جانبها لم أنفك عن الحياة العلمية في الفكر والسياسة , فدراساتي الأكاديمية والحوزوية كانت رديفا لدراستي الطبية , وتوقفي عن ممارسة مهنة الطب وعدم فتح العيادة الخاصة لم يمنعني من أستقبال حاجة المرضى من معارفي وأصدقائي وأصدقاء معارفي لكثرة حاجة المرضى الى التشخيص الطبي الصحيح والحنان ألابوي المخلص الذي بغيابه جعل الكثير من مرضانا يسافرون الى الهند وأيران ودول الجوار وما هو أبعد من الجوار .
وذات يوم راجعني أحد المرضى بواسطة صديق لي , وعندما أستقبلته في بيتي وشرح لي مايحدث له من أعراض , وهي كثرة العطش وكثرة التبول وهي بشكل أولي أعراض لمرض السكري وبعد فحصه فحصا طبيا سريريا وأطمأننت على قلبه وضغطه الشرياني وجهازه التنفسي والهظمي وما يتعلق بهما , طلبت له تحليلا للسكر بالدم , وكانت النتيجة طبيعية مما أثار أستغراب مريضي ولم يثر استغرابي.
ولأن الأعراض متكررة وضاغطة على مشاعر مريضي أعطيته الدواء الخاص بالسكري قاصدا من ذلك معرفة ماوراء هذه ألاعراض .
وكانت النتيجة أن توقف العطش وتناقص التبول عند المريض , وبعد أيام أعدت فحص السكري بالدم وعلى طريقة الصيام الصباحي والعشاء الليلي الخفيف حتى يمضي “17” ساعة لضمان صحة النتيجة , فكان السكري بحدود “110” وهو المعدل الطبيعي للسكري بالدم , وعندما أوقفت دواء السكري عادت ألاعراض للمريض كما كانت ” كثرة التبول وكثرة العطش ” وبعد التأكد من عدم زيادة السكري بالدم في مختبرات متعددة وبفواصل زمنية ومع أخذ دواء السكري وتوقفه أصبحت النتيجة عندي معروفة ولكنها عند مريضي غير معروفة وهنا يبدأ دور الطبيب الخبير بأختصاصه والخبير بنفسية مريضه والحريص عليه أبويا وأخويا وهذا ما يفتقده أغلب أطباءنا اليوم بسبب أقبالهم على الربح المادي على حساب العلم وأخلاقية مهنة الطب , ثم بينت لمريضي أنه لايعاني من مرض السكري الحقيقي ولكنه يعاني من السكري الكاذب وهذا يسببه نقصان هورمون ” أي دي أج ” وليس نقصان ألانسولين .
ومن هذه القصة الطبية أدخل على قصصنا السياسية اليوم فمثلما أكتشفت مرض السكري الكاذب , فأنني ومن موقع عملي الفكري والسياسي الذي مارسته بحرفية لاتقل عن حرفية مهنة الطب , وبعلمية لا تسمح لنفسها تناسي خصوصيات العلم وحقيقته في العمل السياسي , أكتشفت أن وسطنا العراقي مليئ بالسياسيين الكاذبين من أعلى قمة بالهرم السياسي الى أدنى قاعدة ساعد على ذلك مايلي:-
1- تدهور منظومة القيم التي عمل على تدهورها وأسقاطها النظام السابق طيلة مايزيد على “35” سنة .
2- وجود الاحتلال الذي لم يكن صادقا ومخلصا في معادلة التغيير العراقي .
3- وجود ألاحزاب الوهمية غير الحقيقية , وأقصد بألاحزاب الوهمية هي :-
أ- من تشكلت فورا وبصورة مفاجئة وبدون مقدمات تحضير وأختمار ساعدها في ذلك فترة الفراغ التي تلت سقوط النظام السابق , وضعف وتفكك ألاحزاب القديمة .
ب- من وجود ظاهرة ألانشقاقات وألانشطارات الحزبية بعيدا عن دواعي ألانشطار الحقيقي .
ت- وجود الداعم الأجنبي الذي وفر السيولة المالية لبعض النكرات وهم من السياسيين الكاذبين , الذين أستغلوا حاجة البسطاء من الناس فكونوا لأنفسهم مكاتبا وتجمعا لايعرف مايحدث في البلاد وما يراد من العباد .
ث- وجود الفضائيات والصحف التي تتكأ على الدعم الخارجي , وهذا الوجود الهش والكاذب ساهم في غش وأغراء بعض الشباب والشابات .
والسياسي الكاذب هو الذي كان سببا فيما يلي :-
1- ألاحزاب الكاذبة
2- الوزير الكاذب
3- المدير العام الكاذب
4- المستشار الكاذب
5- السفير الكاذب
6- الضابط الكاذب ” دمج الميليشيات ”
7- القاضي الكاذب
8- عضو البرلمان الكاذب
9- عضو مجلس المحافظة الكاذب
ومع وجود هذه الشبكة من الفاسدين , وفسادهم بسبب :
1- شهاداتهم الكاذبة .
2- مواقعهم الكاذبة .
3- ادعاءاتهم الكاذبة.
4- أعلامهم الكاذب .
5- أنتاجهم الكاذب .
6- علاقاتهم الكاذبة .
7- استثماراتهم الكاذبة .
وعلى هذا وبسبب هذا فنحن في العراق في ورطة حقيقية وفي وضع ملتبس حد ألاحباط عند الذين لايعرفون علاج مثل هذه الحالات التي وقف أمامها يوما أمام ثاقب النظر وهو من أختيارات السماء ومن الناجحين في أختباراتها ” أتقوا الله حق تقاته ” و ” جاهدوا في الله حق جهاده ” ذلك هو : علي بن أبي طالب عندما قال مخاطبا أصحاب الكذب السياسي قائلا لهم : ماطبكم ؟ ما داؤكم؟ وما دوائكم ؟ أخرس أنتم لماذا لاتجيبون ؟ لقد ملأتم قلبي قيحا وجرعتموني التهمام أنفاسا ,ثم قال لهم : والله وددت أني لم أعرفكم ولا تعرفوني .
أن التراجع الذي نراه اليوم في العملية السياسية , والتأكل الذي نراه في الحكومة , وألاختراقات التي نشهدها في الميدان ألامني , والفرار المستمر والمتكرر من السجون العراقية , والمهاترات التي نسمعها يوميا من أمام قبة البرلمان وفي داخلها ومن شاشات الفضائيات يقف وراءها السياسي الكاذب , والوزير الكاذب والبرلماني الكاذب , وألاعلامي الكاذب , ومثلما وجد خبراء الطب علاجا للسكري الكاذب فأن خبراء السياسة الحقيقيين يمتلكون حلا للسياسي الكاذب , ولكن بعد أن يأخذوا مواقعهم التي أحتلها الكاذبون .

