في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، ألقى الدكتور سالم الصفار، أستاذ علم الجينات الوراثية في جامعة مشيغان، محاضرة تحت عنوان (مستقبل الفدرالية في العراق)، وذلك على قاعة ابن رشد، حضرها جمهور غفير غص به المكان، نظرا لما يتحلى به الرجل من سمعة عالمية، وكونه شخصية علمية مرشحة لجائزة نوبل.
استمرت المحاضرة قرابة 4 ساعات، انتهى معها الصفار الى جملة حقائق، حيث أشار ابتداء الى ان دستورية الفدرالية، والمطالبات التي بدأت وتيرتها تتصاعد في المحافظات العراقية لإقامة أقاليم، او دويلات صغيرة (على حد تعبيره) مرتبطة شكليا بالحكومة المركزية، سيقود بالضرورة الى نجاح هذه الدعوة، خاصة اذا ماحظيت بالتأييد الجماهيري، ومثل هذا التأييد غير مستبعد في ظل تردي الخدمات، والأسلوب البيروقراطي الذي يمارسه المركز تجاه الأطراف، وبذلك تصبح إقامة الاقاليم، حقا دستوريا لا مناص من تنفيذه، وأعرب عن قناعته الأكيدة، ان أقصى مدة زمنية لتنفيذ مشروع الاقاليم، لن تتعدى عام (2018)، ومن السابق لأوانه كما قال، التنبؤ بصيغة الاقاليم ونوعها، ثم تحدث بالتفصيل عن الواقع الاقتصادي لكل محافظة او إقليم، موضحا ان بعضها يعتمد على النفط او المعادن ومناجم الفوسفات، او على الثروة الزراعية او الحيوانية او المائية، وبعضها الآخر تعتمد على السياحة الطبيعية او الدينية او الاثارية… الخ، ولم تفته الإشارة الى ان كل إقليم سيكون له علمه الخاص ونشيده المحلي ومناهجه الدراسية وشبكات رعايته الاجتماعية ودوائره المستقلة وقوانينه ومعاهداته واتفاقياته وزعيمه ووزراؤه ورئيس وزرائه، ومن الطبيعي ان تقوم بين الاقاليم علاقات تجارية واقتصادية وثقافية واسعة، ومن الطبيعي كذلك ان عملية تنقل المواطنين بين الاقاليم ستخضع لبعض الإجراءات التنظيمية، وقد تتطور العلاقة لاحقا الى صيغة ايجابية، بحيث يستطيع المواطن ان يسافر من الحلة مثلا الى المثنى بهويته الشخصية من دون حاجة الى كفيل !.
حين انتهت المحاضرة، شهدت القاعة الكثير من التعقيبات والتعليقات والأسئلة الساخنة على غرار [هل يعد الاقليم خطوة نحو الانفصال؟] وقد رد الدكتور بطريقة محايدة: [هذا يعتمد على نوايا الواقفين وراء المشروع، ومن الصعب التكهن بالنوايا]، وسأل احدهم: [ماذا يتوقع الدكتور لو ان حكومة المركز – بعد قيام الاقاليم – وافقت على إعطاء المحافظات مزيدا من الصلاحيات وقدمت لهم الخدمات المطلوبة، هل يتراجعون عن الاقليم ؟!] وبطريقته المحايدة رد عليه: [الأمر يتوقف على مدى ثقة حكومات الاقاليم بحكومة المركز ووعودها]، بدوري سألته سؤالا مهما يتعلق بلقمة الخبز: [أستاذ… الاقاليم جميعها تستند الى قاعدة اقتصادية، ماذا عن مستقبل بغداد وهي من غير قاعدة ولا نفط ولا معادن ولا ثروات، كيف تعيش؟] ويبدو ان سؤالي لم يكن متوقعا، فقد سكت الرجل وهو يتأمل الحالة، وكدت اقرأ دموعا في عينيه، وبعد لحظات من الصمت رد علي بطريقته المحايدة: [اعتقد ان الحل الأمثل هو شمول العاصمة برواتب شبكات الرعاية الاجتماعية في الاقاليم]، وصفقنا له طويلا فقد طمأننا ان بغداد سوف لن تموت من الجوع !!.