Feature

بمناسبة تخرج دورة جديدة من ضباط القوة الجوية سمعنا بعض التصريحات، وبمناسبة قرب انسحاب قوات الاحتلال الأميركي نسمع تصريحات تتناقض تبعا لارتباطات المسؤولين وانتماءاتهم وموالاتهم رغم عدم وجود ترخيص للانتماء الحزبي داخل المؤسسة العسكرية.

وتناقض التصريحات يعبر عن عدم وجود محددات للثقافة الأمنية من جهة ومن جهة اخرى يعبر عن مدى تأخر السياسة الأمنية عن مفهوم ” ليس كل ما يعرف يقال ” وهو من متبنيات المعاهد العسكرية في الإستراتيجية والتكتيك، بل هو من العلوم العسكرية التي استفادت كثيرا من دراسة الفكر العسكري عبر التاريخ مرورا بالتاريخ الإسلامي وفتوحاته ذات الطابع السلمي مع الاستعمال المنظم والإنساني للقوة لصد الفوضى والعبثية كحالة خيار عقلي لحماية الوجود البشري، رغم الأخطاء التي وقعت وكانت مدانة في بوصلة السماء.

ان تباين التصريحات بين فريقين داخل المؤسسة العسكرية يكشف غياب الثقافة الأمنية مثلما يكشف غياب الثقافة السياسية في أروقة الحكم وهي ظاهرة ليست لصالح المرحلة الجديدة، وقد استفحل بقاؤها لتتحول الى متاريس وكانتونات تمتطي صهوة الحكم وتمنح نفسها الوصاية على ما لم تكن مخولة به من الأحادية والفردية الباعثة على التململ والاستنكار باتجاه الإصلاح وتسديد المسيرة قبل ان يتحول التصلب والتعنت والامتيازات المنهومة دنيا تعبد.

أننا نفرح عندما نرى توزع المواقع والمناصب بعيدا عن الطائفية والعنصرية والحزبية، ولكننا نتحفظ على الأسماء التي منحت امانة الوطن وأذابها تتخندق في مغارات الطائفية والعنصرية والفئوية، ناسين او متناسين ان تلك المواقع هي الخريطة الجديدة للوطن المتوحد بأبنائه على الكفاءة دون سواها.

ان احتفال القوة الجوية بتخرج دورة جديدة من الخريجين الذين ينتظرهم العراق حماة لأجوائه وسمائه التي تعج ليلا بحركة دائبة للطيران الذي لا تعرف وجهته وهويته من قبل المؤسسة العسكرية ولا الجهات الأمنية ولجانها الرقابية في مجلس النواب، يجب ان لا تتحول الى مناسبة لكشف المحذور، وإعلان ما يخالف السرور وترك سمائنا مفتوحة للمرور الذي لا نعرف فيه العدو من الصديق ولنسترجع ما هو فوق المدى المنظور ” 14000 ” الف قدم . ومثلما لا نريد للثقافة الأمنية ان تكون محدودة ومحنطة، فإننا كذلك لا نريد للثقافة السياسية التي يمارسها اليوم من هم ليسوا أهلا لها ان تبدو السياسة عندنا تحبو وتزحف في عصر استطالت فيها قامات من حولنا ومن هم ابعد من جوارنا وجوار جوارنا حتى أصبح القادمون من وراء البحار والمحيطات يكتشفون ضعفنا وهزالنا السياسي والثقافي فيصابون بالدهشة التي يسارعون لتحويلها الى اتفاقيات ومعاهدات تضعنا في شباك مصالحهم المتنامية، وتبعدنا عن تحقيق رغبات شعبنا في الحرية والعدالة ووفرة الحالة المالية التي طال انتظارها. وتقزم آمالنا وطموحاتنا حتى تجعلنا على شفا حافة اليأس.

ان كل ذلك يحصل لنا بسبب محدودية الثقافة الأمنية التي جعلت من الاتفاقيات الخاصة بالأمن تتحول الى طلاسم تفاجئنا احجياتها بعد سنين طويلة مثلما فعلوا بنا في كتابة الدستور بثغراته المعروفة التي شكلت شراكا تمنع تقدم الدولة العراقية وتخفي بريق التقدم فيها.حتى جاء الذين حضروا كتابة الدستور وسمحوا لأنفسهم ان يكونوا متفردين في التمثيل الذي بسببه غيبت عناصر كفوءة وعقول كبيرة تعرف المصطلحات ومداليلها، مثلما تعرف اللغة السياسية وإيحاءاتها والألفاظ وما تختزنه من معاني ينصرف الذهن لها. حتى كان الذي نحن فيه من تناحر واختلاف، وتوقف عن الإنتاج الذي يبعد عن مناخاتنا السياسية كل جفاف.وغياب الثقافة السياسية هو الذي يجعل فضائياتنا تستنجد بالمحدود باعتباره من مفردات الموجود في البرلمان والحكومة، وما درت انه من المردود ومن البضاعة التي لا تعبر الحدود، وانه يكشف تخلفا لدينا غير محدود، ويطمع فينا الغاوي ومن كان حاسدا من أيام الجدود.إننا بحاجة الى إعادة نظر فيما يقال، ويصرح به من مواقع حكومية، ومن عناوين في الدولة تسربت عبر محطات المحاصصة، وتكدست في خنادق : إعلامية، وثقافية، وسياسية، وعسكرية، وأمنية، واقتصادية، وبرلمانية، وقضائية، وتعليمية، وصحية، وزراعية، وصناعية، وخدمية، وأصبحت بحكم الواقع هي الواجهة في اللقاءات الداخلية والخارجية، أما على مستوى الداخل، فالتبرم وعدم الرضا موجود، وفقدان الثقة هو جرس الإنذار الأكبر.

وأما على مستوى الخارج : فالهمس يتواصل بين من يعنيهم أمر الاستثمار بكل أنواعه النفطي والكهربائي الصناعي والزراعي والسكني عليكم بالعراق طمعا بعدم دراية من يلتقون وعدم معرفة من عليهم يتعرفون، فالجميع اكتشف صفة واحدة : هي ” الكومشن” المدفوع سلفا.

ونحن اليوم ضحية هذا الواقع المتخلف في ثقافته السياسية والمتخلف في ثقافته الامنية، الذي جلب لنا أجهزة لكشف المتفجرات لا تعمل، لأنها صناعة فرنسية لاكتشاف قناني العطور.

والذي يطل علينا بعد تسع سنوات ليطالب إيران لدراسة وضع حزب باجاك الكردي الايراني دون ان يعلن للشعب ماذا فعل تجاه أزمة الأنهار التي منعت مجاريها عن العراق. ودون ان يعلن ماذا فعل حقيقة بجماعة ” معسكر اشرف الإيرانية في ديالى ” مثلما لم يعرف الشعب العراقي ما هي الخطوات التي اتخذت تجاه حزب العمال التركي الكردي الذي يتخذ من جبال قنديل العراقية مسرحا له وما هو موقف الحزبين الكرديين العراقيين الداخلين في العملية السياسية. وتبقى أزمة ميناء مبارك الكويتي والتجاذبات الحاصلة بين أعضاء البرلمان ووزارة النقل والخارجية تكشف مقدار الفوضى وعدم التنسيق النابع من تخلف الثقافة السياسية والأمنية في آن واحد.مثلما يبقى اللغط الحاصل عن التراخيص النفطية، وظاهرة إدارة المنافذ الحدودية وثغراتها، والخروقات الأمنية المتكررة، واستفحال الفساد المالي والإداري هو المؤشر الأكثر حضورا ودلالة على انعدام الثقافة السياسية والأمنية التي تعتبر عقل الدولة وروحها في كل زمان ومكان .

التعليقات معطلة