أصبح تنظيم الطرق مظهرا من مظاهر التقدم , ودليلا حضاريا للدول والشعوب.والدول التي تحرص على التنظيم وحماية المرافق والاملاك العامة وإدامتها هي التي جعلت المواطن يشعر بالمسؤولية من خلال مساهمته الرمزية بدفع الرسوم عندما يستخدم الطرق السريعة بسيارته, وهذا النوع من المشاركة له جذور تشريعية, ومفاهيم اجتماعية تعرف “بالتكافل الاجتماعي” الذي يغذي الدولة بأمدادات حيوية غير منظورة وغير مكلفة للمواطن, وهذا النمط من المساهمات هو الذي يتكفل بصناعة التوازن بين الدولة والناس “الشعب”.
والعجلات التي تستخدم المرور في الطرق السريعة التي تعرف “الاتوبان” أو “هاي وي” تدفع رسوما رمزية مثلا عندنا لاتتجاوز الـ”250 أو 500 ” دينار عراقي في حال أهتدت السلطات المختصة الى إيجاد تشريع من خلال البرلمان يجيز لها تطبيق مثل هذا الاجراء المتّبع دوليا.
والاسباب المسوغة لمثل هذا الاجراء تفرضها حاجتنا المتزايدة الى كل من:
1- وجود طرق سريعة لدينا تربطنا مع دول الجوار مثل سورية والاردن وتركيا وايران والكويت والسعودية, وهذا يعني وجود حركة نقل وتنقّل دولية عبر طرقنا السريعة مما يجعلها معرضة الى الاستهلاك والتأكل, وإدامتها وتنظيمها ومراقبتها الكترونيا وراداريا يحتاج الى مبالغ مالية كبيرة قد تسبب أرهاق ميزانية الحكومة الفدرالية وميزانية الحكومات المحلية.
2- زيادة عدد السيارات السياحية لدينا مما يسبب حمولة إضافية دائمة ومستمرة على طرقنا السريعة.
3- زيادة نسبة الشاحنات والمقطورات والمركبات الثقيلة التي أصبحت تستعمل طرقنا السريعة على مدار الساعة وبدون توقف.
4- كثرة وجود السيطرات الامنية والعسكرية وهي ضرورة أمنية تفرضها ظروف العراق المستهدف بالارهاب, مما يجعل كثرة توقف الشاحنات والمركبات الثقيلة يترك مضاعفات وآثارا تخريبية على بنية الطرق السريعة.
ونتيجة لذلك بدأنا اليوم نشاهد تدهور البنى التحتية للطرق السريعة ومقترباتها, مثلما نشاهد تدهورا مستمرا في بنية الطرق والشوارع الداخلية للمدن, ولم نلحظ وجود عمل يحاول انقاذ تلك الطرق والشوارع الداخلية من قبل الجهات المختصة , بل أن الامر تعدى جمالية الطرق وتنظيمها الى وجود خطورة حقيقية تواجه السيارات السياحية في عدم قدرتها اجتياز بعض الطرق والمقتربات نتيجة تشوهات الطبقات الاسفلتية وما تحتها من تربة متكسرة ومنخفضة بمستويات تجعل العجلات الصغيرة تفقد توازنها, وفي بعض الحالات يتعذر عليها اجتياز تلك المطبات المثيرة للرعب والاشمئزاز.
والمتأمل في هذا الوضع المزري لحالة طرقنا السريعة وشوارعنا الداخلية يخالجه الشك فيما يلي:
1- في عدم وجود جهات وهيئات مسؤولة عن الطرق في بلدنا
2- وفي حالة وجودها وهو أمر متيقن, فإنها يعوزها وينقصها الاخلاص والغيرة على بلدها, وهذه الظاهرة أصبحت لشديد الاسف شائعة ولايمكن تبرير عدم وجودها, بل يمكن إثبات وجودها بدون عناء.
3- وفي جانب آخر قد يشك في قدرتها العلمية والمعرفية من جهة هندسة الطرق, وهذا الامر مستبعد تماما فالعراق يمتاز بامتلاكه للاختصاصات والكوادر العلمية والفنية التي أثبتت وجودها عالميا على هذا المستوى, ولكنها في العراق مهمشة نتيجة المحاصصة التي جلبت كل محدود وجعلت من الأميين من يتربع على المناصب الحساسة مما أفقد الوزارات والمؤسسات الحكومية قدرتها على إلانتاج والتوازن في العمل فظهرت مترهلة تعاني الفساد والتخلف القاتل لكل إبداع وحيوية, وهذا الامر يتحمله كل من ساهم وشارك في إشاعة مفهوم المحاصصة.
أن الحديث عن هذا الموضوع ليس ترفا كما قد يظن البعض من المسؤولين من الذين يتحججون بالارهاب وفقدان الامن في بعض المناطق, وهي حجة مدحوضة بأكثر من دليل لاسيما في المناطق الآمنة وهي كثيرة والحمد لله, ولكننا نجد طرقنا من مدخل الخليج الشمالي مرورا بالبصرة التي كانت تسمى يوما بعروس الخليج والتي أصبحت طرقها وشوارعها التي تحمل أسماء جميلة مثل: شارع الاستقلال, والعشار, والمعقل, وشط العرب, أصبحت متهالكة أكثر من منازلها ونخيلها وأنهارها التي تغزل بها بدر شاكر السياب الذي يقف تمثاله اليوم حزينا على ضفاف شط العرب مستقبلا مدينة البصرة وأحياءها التي غادرها نشيد جيكور وبويب وكركرات المد والجزر التي تشهد على الجاذبية بين الارض والقمر.
أن رؤية طرقنا السريعة وشوارعنا الداخلية توحي بالوحشة لما أصابها من تآكل وحرمان, فهي تئن تحت وطأة العجلات المسرعة في سباق مع الزمن, وهي تتألم تحت رفسات الناقلات العملاقة ذات الطابقين التي تحمل بضاعتها من السيارات المستوردة التي أصبحت شركاتها وعملاؤها يربحون كل شيء من العراق ولايدفعون ولو رسما رمزيا يسهم في حفظ طرقنا السريعة التي تقدم خدماتها بالمجان مخالفة كل ما أعتاد عليه العالم المنظم والمتطور, والذي لايحتاج الى أن ينتظر ميزانية الحكومة السنوية حتى ينفق مايريد لإصلاح وإدامة الطرق السريعة لأن ما موجود لديه من رصيد الضرائب والرسوم يجعله في غنى عن طلب مساعدة الحكومة, وهذا هو عين التصرف الحكيم, فمتى يلتفت البرلمان عندنا لمثل هذا الامر الحيوي, ومتى تبدأ الحكومة تفكر بالمشاريع الحيوية والتنظيم الحضاري فتطلب من البرلمان تشريعا يساعدها في انجاز مهماتها بعيد عن إرهاق الميزانية العامة التي أصبحت مظلومة ثلاث مرات , مرة من الحكومة الفدرالية بعدم التخطيط, ومرة من حكومة الاقليم بالابتزاز, ومرة من الحكومات المحلية بسوء الادارة وعدم المعرفة التي تجعل من بعض أعضاء مجالس المحافظات لايفكرون إلا بأعلى سارية للعلم العراقي، ومن أجل ذلك يقترح البعض أن يذهب موفد لرؤية أعلى سارية للعلم في بلد ما.
بهذا النوع المتخلف من المسؤولين أبتليت بلادنا, ولهذا تدهورت وساءت حالة طرقنا السريعة وشوارعنا الداخلية, وبنيتنا التحتية, وتخلفت تربيتنا وجامعاتنا, وتراجعت صحتنا عن الريادة والمثل الحسن في الاداء الطبي ليتحول مرضانا الى كمائن مكاتب السمسرة التي تأخذهم الى الهند والى غيرها من الجهات المجهولة..