Pdf copy 1

المقدمة :

المعارف التي بين أيدينا هي على قسمين:

1- معارف نظرية : مثل العقائد بمختلف أنواعها 

2- معارف عملية : وعلم الأخلاق من أمثلتها 

وعلم الأخلاق يشكل حضورا لكل فعل بشري , فردي أو جمعي وعلى المستويات الآتية :-

1- المستوى الاجتماعي

2- المستوى السياسي

3- المستوى الاقتصادي

4- المستوى العلمي

5- المستوى الثقافي

6- المستوى العسكري

وهو وثيق الصلة من العلوم التالية :

1- علم النفس

2- علم الاجتماع

3- علم التاريخ

ولقد تعددت مصادر دراسة ” علم الأخلاق ” وتوسع الجانب الوضعي في دراسة علم الأخلاق في الجانب الوصفي منطلقا من البعد ” البايولوجي ” وهو بعد مادي اغفل الجانب الروحي ردحا طويلا من الزمن, فظهرت عيوب هذا المنهج خصوصا بعد تقدم علوم الفضاء , وعلوم الجينوم وعلوم الاستنساخ , واكتشف العلماء والباحثون حاجتهم لإعادة النظر في ظاهرة ” الروح” التي تفرض وجودها في المشهد الكوني , والإنسان خير مثال على ذلك .

ومن هنا وجدنا أن الجانب الشرعي في دراسة علم الأخلاق الذي ينحو منحى عمليا وليس وصفيا في دراسة الأخلاق هو الطريق الأنسب في ذلك , والطريق الشرعي هو طريق السماء وللسماء كتب منزلة وآخرها هو القرآن الكريم الذي قال عنه تعالى :” وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ” ومما يجعل المرء بصورة عامة والقارئ والباحث والمتابع مطمئنا تجاه صحة وتوثيق ما جاء في القرآن من نصوص هو قوله تعالى :” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ” .

وبناء على هذه الرؤية سنتخذ من القرآن والروايات الصحيحة المنقولة عن رسول الله “ص” في صدد الأخلاق مصدرا أساسيا في هذه الدراسة, وسنبدأ بالآيات القرآنية الكريمة التي تدعو إلى الالتزام بالأخلاق الحسنة وهي :-

1- “وانك لعلى خلق عظيم “- القلم – 4-

2- “والشمس وضحاها, والقمر إذا تلاها , والنهار إذا جلاها , والليل إذا يغشاها , والسماء وما بناها, والأرض وما طحاها , ونفس وما سواها, فألهمها فجورها وتقواها , قد افلح من زكاها , وقد خاب من دساها ” – الشمس – 1-9

ويلاحظ في هذه السورة المباركة أن الآيات الكريمات قد أطلقت الاختيار للإنسان , ونفت الجبر والإكراه كما قد يتصور البعض , ومن هنا تظهر حرية الإنسان في اختيار الأخلاق الفاضلة وتنميتها في حياته عن وعي مصحوب بعقل مفكر متدبر كما سنرى في الأبحاث المقبلة أن شاء الله تعالى.

فالقرآن الكريم يركز على منهج ” التدبر ” والتأمل ” والملاحظة , ويعطي للتجربة نصيبا في المعرفة البشرية كما سنرى دون أن يجعل التجربة هي المقياس الأول والأخير للمعرفة البشرية كما ذهب إلى ذلك التجريبيون, قال تعالى : “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ” والتدبر يحتاج إلى العقل , والعلم يصاحب العقل , ومن العلم معرفة الإنسان لنفسه, والعقل يوصل الإنسان إلى الدين, والدين يوصل الإنسان إلى الجنة – فعن الإمام الصادق “ع” عن رسول الله “ص” قال : “من كان عاقلا كان له دين ومن كان له دين دخل الجنة ” .

ومن أوضح مصاديق الحكمة : معرفة الإنسان لنفسه قال تعالى :” يؤتي الحكمة من يشاء ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ” – البقرة – 269 –

وقال الإمام علي عليه السلام : “أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربه” وذلك في معرض ذكر الآية المباركة :” إنما يخشى الله من عباده العلماء” – فاطر – 28- ولقد تكرر النقل عن رسول الله “ص” قوله : “لا دين بدون معرفة ” والعقل قائد والعلم رائد ” وهو توضيحا لقوله تعالى :” وما يعقلها إلا العالمون ” – العنكبوت – 43-

ولأهمية تركيز آيات سورة الشمس على النفس, وجدنا تركيز الحديث عن النفس المنطلق والأرضية السليمة للأخلاق وسماتها وأهميتها في حياة الفرد والجماعة , ومن الأحاديث التي ذكرت في ذلك : 

ا‌-  “من عرف نفسه عرف ربه ” – غرر الحكم ودرر الكلم ص403 الحديث 8048

ب‌-  “من عرف نفسه كان لغيره اعرف” – غرر الحكم ودرر الكلم – ص436 الحديث 8858

وفي مقابل العلم بالنفس وهو من مفردات الأخلاق , ذكر الجهل بالنفس , فكانت الأحاديث التالية :

ا‌-  “أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه ” – غرر الحكم ودرر الكلم ص152 الحديث 3027

ب‌- “كفى بالمرء جهلا أن يجهل نفسه ” – غرر الحكم ودرر الكلم ص364 الحديث 7116

ت‌- “عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه ” – غرر الحكم ودرر الكلم – ص 329 الحديث 6344

ومن هنا اعتبرت المعرفة ألا نفسية انفع من المعرفة الافاقية وهي اصطلاحات منتزعة من الآية القرآنية المباركة : ” سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق” – السجدة – 53- وقال تعالى :” وفي الأرض آيات للموقنين , وفي أنفسكم أفلا تبصرون ” – الذاريات – 21-

ولهذا نقل عن الإمام علي “ع” قوله :” المعرفة بالنفس انفع المعرفتين ”

كما أن المحققين والمفسرين قد قالوا: أن النظر في معرفة الآفاق والأنفس نافعان جميعا , لكن النظر في معرفة النفس انفع بناء على قوله “ص”:  “ميدانكم الأول أنفسكم فان انتم قدرتم عليها فأنتم على غيرها اقدر”.

ثم أن المعرفة الحاصلة من النظر في الآيات الافاقية هو علم حصولي ونظر فكري , بينما النظر في النفس وقواها وأطوارها والمعرفة المستحصلة منها , فهي علم حضوري ونظر شهودي, والتصديق الفكري يحتاج إلى “البرهان” القائم على كل من :

1- اليقينات

2- المظنونات

3- المشهورات

4- المسلمات

5- المقبولات

6- الوهميات

7- المشبهات – الأسس المنطقية للاستقراء – السيد محمد باقر الصدر – ص 379-

وهذه القواعد يمكن للإنسان ان يذهل عنها وينساها ولذلك يزول العلم بزوالها ويكثر الاختلاف, بينما في العلم النفساني وهو العلم بالنفس وأطوارها وهي مشاهدة وعيان لا ينفك عن التعلق بالعظمة والكبرياء , حيث تنصرف عن كل شيء وتتجه إلى ربها وهو حق المعرفة, بينما المعرفة ” الحصولية ” الفكرية ” نتيجة النظر في آيات الآفاق فهي معرفة بصورة ذهنية عن صورة ذهنية , والإله لا يحيط به ذهن “ولا يحيطون به علما” – الميزان في تفسير القرآن ج6ص176.

ولهذا رأينا كيف تؤكد سورة الشمس على أهمية الأخلاق حيث قررت ان هذا العالم ” عالم المادة ” قد خلق لأجل الإنسان ” والأرض وضعها للأنام ” – سورة الرحمن – 10- وان الإنسان خلق لأجل الأخلاق الفاضلة التي يطلبها مختارا فيتسنى له التسامي والتكامل في مسيرته نحو الحق عز وجل – التربية الروحية – السيد كمال الحيدري ص 57-

أما الروايات التي تتحدث عن الأخلاق الحسنة فهي :

1- قال رسول الله “ص” : ” إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ”

2- وقال “ص” : أثقل ما يوضع في الميزان تقوى الله وحسن الخلق”

3- وقال أبو الدرداء سمعت رسول الله “ص” يقول : “أفضل ما يوضع في الميزان حسن الخلق والسخاء, ولما خلق الله الإيمان قال: “اللهم قوني, فقواه بحسن الخلق والسخاء, ولما خلق الله “الكفر” قال: اللهم قوني, فقاه بالبخل وسوء الخلق ” – المحجة البيضاء ج5ص89-

4- وقال رسول الله “ص” : “أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة احاسنكم أخلاقا ”

5- وقال انس : قال رسول الله “ص” :”أن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم الدرجات واشرف المنازل وانه لضعيف العبادة”.

تعريف الأخلاق :

قال الغزالي: الخلق بفتح الخاء, والخلق بضمها يستعملان معا فالأول هو الصورة الظاهرية والثاني هو الصورة الباطنية وذلك لان الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر, ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة ولكل منهما هيئة وصورة أما قبيحة أو جميلة, فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ولذلك عظم الله من قدره بإضافته إلى إليه قال تعالى :” إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين” – الحجر – 30- فالجسد منسوب إلى الطين والروح إلى رب العالمين , ومعنى الروح والنفس هنا في مقام واحد – التربية الروحية – 61-

فالخلق بضم الخاء هيئة راسخة في النفس لها أربعة أمور هي :

1- فعل الجميل والقبيح

2- القدرة عليهما

3- المعرفة بهما

4- وهيئة النفس تميل إلى احد الجانبين

وليس الخلق بضم الخاء عبارة عن الفعل, فرب إنسان خلقه السخاء ولكنه لا يبذل المال لفقدانه أو لسبب مانع , وربما يكون خلقه البخل ولكنه يبذل المال لباعث من رياء , وكل إنسان خلق بالفطرة قادرا على الإعطاء أو الإمساك وهذا راجع إلى النقطة الرابعة وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لان يصدر منها ما يصدر سلبا أو إيجابا , وهناك هيئات للنفس غير راسخة , لان الهيئات على نوعين هما:

1- هيئات غير راسخة : مثل احمرار الوجه واصفراره

2- هيئات راسخة لا تزول مثل : لون الإنسان لأنها غير اختيارية أو لا تزول بسهولة وإذا زالت لسبب ما فإنها سرعان ما ترجع, وتسمى بالملكات الاختيارية مثل: العدالة والشجاعة , فالأفعال لو صدرت بصعوبة وتردد لما عدت تلك الصفة ملكة وخلقا , فمن يتردد في دفع الصدقة لا يعد سخيا , ومن يقدم رجلا ويؤخر أخرى في الحرب لا يعتبر شجاعا , فالسخي من يبذل بيسر وسهولة والشجاع من يتقدم في ساحات الحرب كالبرق الخاطف, فالخلق عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنية – إحياء علوم الدين – للإمام الغزالي المتوفي سنة 505 هجرية – دار المعرفة – بيروت – ج3 ص53

وبمقدار رسوخ هذه الملكات يكون الإنسان على الصراط, فمنهم من يمر كالبرق الخاطف وبعضهم يمر حبوا وبعضهم يمر وهو يكاد أن يقع فيمسك.

قال الإمام الصادق عليه السلام :” الناس يمرون على الصراط طبقات, والصراط أدق من الشعر واحد من السيف فمنهم من يمر مثل: البرق , ومنهم من يمر مثل عدو الفرس, ومنهم من يمر حبوا ومنهم من يمر مشيا ومنهم من يمر متعلقا قد تأخذ النار منه شيئا – أمالي الصدوق – تحقيق مؤسسة البعثة – 247|257

والاعتقاد الصحيح هو منشأ الهيئة الراسخة التي تصدر عنها الأفعال الحسنة, ولذلك كان السيد محمد باقر الصدر في الأسس المنطقية للاستقراء يؤكد على فلسفة الاعتقاد وفتح سجالا واسعا مع دافيد هيوم حول الإدراك وقوة وحيوية ذلك في النفس, حيث قال أن اعتقادنا بوجود الشيء لا يزيد من العناصر التي يتكون منها ذلك الشيء, فالحيوية والقوة هي الاعتقاد وتلك الحيوية هي التي تميز الاعتقاد عن التصور – الأسس المنطقية للاستقراء – محمد باقر الصدر – ص97-

 تعريف العلامة صاحب تفسير الميزان 

علم الأخلاق هو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه النباتية والحيوانية والإنسانية ليميز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل سعادته العلمية فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد والثناء الجميل من المجتمع الإنساني – الميزان – للطباطبائي ج1 ص 370

والتعرف على قوى الإنسان هو الوصول إلى تعريف علم الأخلاق وقد قسم المحققون هذه القوى إلى:

1- القوى الظاهرة, وهي الحواس الخمس: اللمس والشم والبصر والسمع والذوق.

2- القوى الباطنة وهي:

ا‌- النباتية وهي أربع : الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة

ب‌-  القوى الخادمة وهي أربع : الغاذية والنامية والمولدة والمصورة

3- القوة المدركة في الباطن وهي خمس: الحس المشترك والمتخيلة والوهم والحافظة والمفكرة

4- النوع الثالث وهي القوة المحركة وهي صنفان:

ا‌- الباعثة وهي شهوية وغضبية

ب‌-  الفاعلة التي يصدر عنها تحريك الأعضاء

ت‌- النوع الرابع : القوى العقلية وهي أربع مراتب هي :1- القوة التي بها يفارق الإنسان البهائم.

3- القوة التي تدخل الوجود للصبي المميز

4- القوة التي بها تحصل الاستفادة من التجارب وبها يعرف العاقل من غيره

5- القوة التي بها تعرف حقائق الأمور والتي تميز الشهوة العاجلة للذة أجلة , ولهذا قال الإمام علي “عليه السلام”.

رأيت العقل عقلين …… فمطبوع ومسموع

فلا ينفع مسموع ……..إذا لم يك مطبوع

كما لا تنفع الشمس ……. وضوء العين ممنوع

القوة العقلية وبها إدراك حقائق الأمور

القوة الغضبية وهي التي يدفع الإنسان بها الأذى.

القوة الشهوية : وهي التي يطلب بها الإنسان المنفعة مثل: الأكل والشرب والملبس والمنكح من دون ملاحظة مسائل الحلال والحرام والطاهر والنجس وما يجب فعله وما لا يجب, والنفس إذا تابعت القوة الشهوية سميت بهيمية وإذا تابعت القوة الغضبية سميت سبعية وإذا تابعت القوة العقلية سميت ” ملكية الهية والفائدة في وجود القوة الشهوية بقاء البدن والغضبية لكسر صورة الشهوية والشيطانية لأنهما تطيعان الغضبية ولأنهما في تمردهما لا تطيعان العاقلة بسهولة ومن هنا فان وجود السلطة والحكومة ضروريان لردع الشهوية والشيطانية بما لهما من ولع في الخدع والشهوات , وهذا هو وجه الربط بين علم لنفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق في سياقاته العملية التي تجعل منه ترجمة عملية لانتظام الاجتماع الإنساني وليس مجرد وصفا مجردا كما يفعل علم الاخلاق في الدراسات الوضعية حيث تبقى الأفعال معلقة لا تجد من حلول لأنها غير معنية بمسالة المعاد والموت وهي قضايا حقيقية وليست أخبار مغيبات – انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أن شاء الله..

رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية.

التعليقات معطلة