Pdf copy 1

“وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ” – الأنبياء -80.

من شرافة العمل يقدم القرآن أسوة لنا نماذج من أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم على أنهم: “عمال كادحون” يتخذون من العمل بأيديهم وسيلة للرزق والعيش الكريم, وهو عنوان البساطة والتواضع التي كانت صفات أنبياء الله, وتلك الصفات هي التي صنعت ثقافة العمل, وصدرت لنا هوية العامل ممهورة وممضاة بختم السماء وذلك شرف لليد التي تعمل وتعبد ربها وتخدم مجتمعها حتى تجذر عندنا الشعار التالي : ” غبار العمل ولا زعفران البطالة”

ومن الأنبياء الذين صرحت الآيات القرآنية بهويتهم ” العمالية ” هم كل من :

1- يوسف النبي الصديق “عليه السلام” قال تعالى “قال اجعلني على خزائن الأرض أني حفيظ عليم ” – يوسف – 55.

أي ان يوسف وهو نبي في علم الله , طلب من فرعون مصر ان يشتغل محاسبا “ينظم بيت المال” وهو عمل ذهني علمي يتولى التخطيط للزراعة وتوزيع الأرض وتنظيم الضرائب ورفع مستوى الفلاحين والعمال الفقراء الذين كان سدنة وكهنة معبد أمون يضطهدوهم ويسخروهم للسخرة ويتخذون منهم إجراء بأبخس الأثمان , ويوسف النبي “عليه السلام” من موقع النبوة عمل منظما لبيت المال فازدهرت الزراعة وكسب من خلال ذلك حب الناس والفلاحين واستطاع أن يغير المجتمع الفرعوني إلى مجتمع يؤمن بالله ويسقط استغلال أباطرة وكهنة معبد امون.

2- موسى “عليه السلام” : هذا النبي الرسول عمل أجيرا عند شعيب قال تعالى :” فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب أني لما أنزلت إلي من خير فقير”- القصص – 24. ” قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين “- 26. ” قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثمان حجج …” – 27- فموسى هنا وهو النبي الرسول وكليم الرحمن نجده ” أجيرا ” مثلما نجده ساقيا يستخرج الماء من اعماق البئر وهو عمل شاق , كل ذلك ليعكس لنا ثقافة العمل وهوية العمال الإنسانية التي ولدت في احضان الدين ورعاية السماء وأراد البعض في مناخ من عدم المعرفة والتضليل أن يأخذ رعيل العمل والعمال إلى مدعياة تبعدهم عن حاضنة السماء وثقافة الدين ولذلك نجد عيد العمال مختطفا فكريا وسياسيا إلى شعارات وتجارب فقدت قدرتها على الحياة في مهد ولادتها ونفض أهلها يدهم منها ولكننا نرى البعض عندنا لا يزال يستغل أجواء الحرية وفضاءات الديمقراطية ليبقى مصرا على وهم الولادة الميتة معتقدا حياتها وهو خيال بائس وإفراط عبثي لممارسات تقع خارج الأمل الإنساني المرتبط بالسماء وسلوك فاشل لم يعد يحظى برغبة القاعدة الشعبية التي عقدت ولاءها مع انجازات العمل الذي يتخذ من فكر السماء هوية ومن صدق وبساطة أنبياء الله قادة للعمل والعمال.

3- داود النبي “عليه السلام” كان عاملا في الحياكة والنساجة قال تعالى ” وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل انتم شاكرون” – الأنبياء – 80- وهكذا نرى شرافة العمل تضيّف عاملا جديدا هو داود النبي وتحرر لنا مهنة من المهن التي أسيئ الظن بها عند بعض الناس ألا وهي مهنة الحياكة فانتدب الله هذا النبي المبارك ليكون نسّاجا وهو أول من صنع الدروع حتى أن لقمان الحكيم الذي كان معاصرا لداود النبي عندما زاره ووجده يعمل بشيء لم يره من قبل وظل صامتا يراقب ما يقوم به داود من عمل الحياكة حتى إذ اكمل العمل لبس الدرع وقال: نعم الدرع للحرب؟ فنعد ذاك عرف لقمان ان هذا درع للحرب فقال كلمته المشهورة التي أصبحت حكمة “الصمت حكمة وقليل فاعلها ”

4-  ذو القرنين عامل ومهندس السدود: قال تعالى “ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا ” – الكهف – 83- ” حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا ” – الكهف – 93.

 قالوا يا ذا القرنين ان يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على ان تجعل بيننا وبينهم سدا ” – الكهف – 94. ” قال مامكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما” – الكهف – 95. ” اتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال اتوني افرغ عليه قطرا ” – الكهف – 96. في هذه الآيات الكريمة رأينا مشاهد تزخر بالعمل المتطور بأفق علمي يستحضر الكيمياء والفيزياء وهندسة الميكانيك والهندسة المدنية في عمل للسدود سابق كل خبرة بشرية في هذا المجال إلا ما انفتح على بوابة السماء صاحبة الموهبة التي تمنح من البشر من تراه مؤهلا لحمل الأمانة , ففي تلك الآيات اكتشفنا ذا القرنين عبدا من عباد الله الصالحين مكن الله له في الأرض  والتمكين هنا دلالة تحمل سرا يتوزع على هوية الصالحين من عباد الله ومنهم الإمام المهدي المنتظر الذي لا يزال البعض نتيجة الجهل يشكك بإمكانية وجوده الشريف بأمر من الله ورعايته فهذا ذو القرنين يسيح في الأرض من غربها الى شرقها بالاشارة إلى مكان غروب الشمس في عين ” حمئة ” ساخنة شديدة الحرارة وهو ما نعرفه اليوم عن مناطق جنوب خط الاستواء والإشارة الى مشرق الشمس على قوم لم يجعل بينهم وبينها سترا وهي سهول جنوب شرق آسيا المنبسطة وبحارها المنفتحة التي تغمرها الشمس والتي أصبحت اليوم مهبط السياح من كل مكان واعصار تسونامي يذكرنا بتلك الاماكن , فذو القرنين تقدمه لنا الآيات القرآنية عاملا قوي العضلات ومهندسا بارعا عارفا ببناء السدود وصهر الحديد وتذويب الرصاص وهي علوم لم يكن الناس يعرفونها في تلك العصور, ان ثقافة العمل في حياة هذه الكوكبة من انبياء ورسل الله وعباده الصالحين وهو ما استعرضناه في حياة كل من: يوسف وموسى وداود وذي القرنين, ثم عندما نتذكر محمد بن عبد الله نبي الإسلام ورسول الإنسانية وقد كان عاملا بالتجارة , نكون قد رسمنا صورة للعمل والعمل تستحق منا ان نجعلها تشع في حياتنا لما فيها من القيم والمثل العملية بعيدا عن الادعاء والتضليل الذي يمارس اليوم عبر طريقة الاحتفال  بعيد العمال مسبغين عليه كل ما ليس له علاقة ببوصلة السماء وحاضنة الدين المهد الحقيقي لولادة ثقافة العمل بمفهوم الإيمان القوة التي تعطي للعمل حيوية ومشتركا إنسانيا جوهريا ونقيا تتقبله السماء ” اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ” ان صحافتنا وفضائياتنا فشلت في اختبار ثقافة العمل والعمال لأنها ضيّفت من يخلط بين غنج المراقص وطيشها وخدر الحانات وضياعها وبين العمل الذي يستنكر ذلك, ولنتذكر قول الشاعر:

من جانب المحراب يمضي ركبنا

                     للنور لا من جانب الماخور 

التعليقات معطلة