طرد بريدي أنيق فاح عطرا برائحة الحنين، وصلني قبل أيام من (هولندا) عن طريق صديق كان في زيارة لهذا البلد الذي يضم الكثير من ابناء جالية بلاد النفط وعدد كبير من مبدعيه، مع الطرد تم رفق (كارت) أنيق-أيضا- حوى خمس كلمات فقط، عدا ذكر اسمي واسم وتوقيع المرسل و تأريخ كتابة تلك الشذرات الصادقة التي أشعلت في داخلي جذوة ذلك اليوم الشباطي من عام (2005) والذي تعرفت  فيه – بشكل مباشر ولأول مرة- على الكاتب الدرامي الكبير (صباح عطوان) حين أجريت حوارا تلفزيونيا معمقا (لحساب قناة السومرية/ عبر برنامج مؤثرون) تناول تجربته التي لا أظن أن تأريخ الكتابة الدرامية من حيث الغزارة والعمق والتواصل في العراق والوطن العربي سيصل الى شواطئ وضفاف ما قدم وأعطى هذا الكاتب المواضب -الصعب-  ذو الصدر الرحب-المحب لكل ما هو إنساني خالص وكل ما يحترم كرامة وحقوق الإنسان أين ما كان، لقد حوى ذلك الطرد الأنيق ثلاثة كتب صدرت حديثا بطباعة فاخرة هي روايتين بعنوان (المس) والأخرى باسم (تنومه) والكتاب الثالث بعنوان (مسرحياتي) ضم ثلاثة أعمال (1- مولينا/2- الموت سيدتي/ 3- أصوات من نجوم بعيدة)، خصني بها  وفاء هذا الكاتب العتيد بعد-بُعد(بضم الباء) كل تلك السنوات من زهو وأثر ذلك اللقاء الذي هزمنا فيه كل (روتينيات) الحوارات حين تجاوزنا كل رتابة وجمود أطلاق الأسئلة التي احتوتها -بوعي وجدارة- دروع ثراء إجابات ضيف عتيد من طراز كاتب الدراما الأول في العراق عبر نوافذ وثوالث عطاءاته المؤثرة في التلفزيون/السينما/والمسرح منذ عام 1975حتى لحظات اختياره المنفى والغربة ملاذا أمنا له، فضلا عن كتابة بحوث عن السينما في صحف ومجلات مهمة وشرف حصوله على جوائز عالمية وعربية ومحلية بالإضافة الى صدق وعمق إدارته النبيلة للمسرح العمالي في العراق، بحجم ذلك الولع  النادر والاخلاص الحي لمعنى الاهتمام بهذا النوع الخالص لقيمة الفن في حياة الشعوب.

  هل أدلكم على ما قدم وأعطى  وأثرى (صباح عطوان) الذي لم التقه  –أبدا- منذ ذلك اللقاء اليتيم بسبب ما مر من ظروف قاتمة عصفت بالبلاد وفرقت أحوال العباد بمعاول وفؤوس الطائفية وملحقاتها؟ أم أكتفي بالاعتماد على الذاكرة الجمعية الحية لإغداقاته الواثقة وهي تزيد على أكثر من (70) مسلسلا، وللاذاعة زهاء ألف نص، وللمسرح (30) مسرحية، وللسينما خمسة أفلام طويلة،ألا يكفي هذاالاجتياح العقلاني-الابداعي الممهور بحب كل ما يلامس أسم وجوهره الانساني، لكي نعيد هذا الطائر الغرد- الصادح المحكي الى عشه، أو نحتفي به هناك في (هولندا) التي خطفت جسد (عطوان) فيما ظلت روحه ترفرف في سموات الناصرية حيث ولد، أو في نسائم البصرة حيث عاش، أو في بغداد التي وجد فيها ضالته الإبداعية ووهج حضوره الأثير فينا، حرام والله التفريط بمجد عطاء وثراء وانتماء هؤلاء، خاصة ونحن على أعتاب الاحتفاء ببغداد عاصمة للثقافة العربية.!

التعليقات معطلة