ظهرت السلطة السياسية الزمنية في العراق قبل غيره من بلاد العالم , ومن هنا كثرت المنافسات التي تحولت اغلبها الى صراعات ومن هنا ذهب البعض الى تسمية العراق بلاد العنف , وسمي العراقيون بذلك الاسم , والأول صحيح , والثاني غير صحيح اما صحة الأول , لان العراق ” الأرض ” تحول الى مكان للصراع بين الامم والدول والحكومات بسبب نشوء متقدم للحكومة فيه , ومكان الحكم دائما يغري بالمنافسة والمجابهة التي يتم من خلالها إزاحة جماعة , لتحل بدلها جماعة اخرى , وهذه الإزاحة غالبا ما تتطلب طلب المساعدة والنجدة من الآخرين حتى لو كانوا إغرابا . واما عدم صحة الثاني , وذلك لأن العراقي يمتاز تاريخيا بصفتين هما :
1- الفطرة والسجية الطيبة
2- الانفتاح الاجتماعي على الآخرين
ومن يحمل هذه السجايا لا يكون عنيفا ولا دمويا , ولكن العراقي الذي دارت على أرضه معارك الجماعات والحكومات والدول والجيوش ومنها جيش الاسكندر الكبير , وجيش مملكة فارس أيام البابليين , ثم جيش المغول , وجيش العثمانيين , ثم الجيش البريطاني وأخرها الجيش الأمريكي الذي تعمد الاساءة للعراقيين بطريقة ماكرة ولئيمة , وهؤلاء جميعا مارسوا عنفا وبسطوا جبروتا وأسسوا ظلما وحيفا , مما جعلوا العراقي ابن البلد وصاحب الدار يواجه ذلك كله بامتعاض ورفض يضطره ان يبدو عنيفا وهو من حقه كإنسان , ولكنه عندما يتاح له الخروج من منغصات ذلك الجو والمناخ المفتعل فانه يرجع الى سجيته ويمارس العلاقات الانسانية بمودة وسماحة تجعل من يتعرف عليه يكتشف انه مظلوم بالتسمية فلا يعود يطلقها عليه.
والعراقي نتيجة تلك السجية التي يغلب عليها حسن الظن بأكثر مما يوصي به أهل الحكمة , وعلماء السلوك والتحليل النفسي وعلماء الاجتماع, وخبراء معالجة الازمات, يكون ضحية لسوء النوايا وخبث السرائر, ولذلك اكثر الثغرات التي تؤخذ على الشخصية العراقية بشكل عام والاستثناء موجود, هو تعدد الولاءات وكثرتها حتى أصبح العراق تاريخيا بلدا حاضنا للولاءات , ساعد في ذلك ان العراق بعد الفتح الإسلامي أصبح مستقرا للقبائل العربية السبع وشخصية العربي من ابناء تلك القبائل هي شخصية تستحضر مواصفات الشخصية العراقية التي أسست مرجعا للشخصية العربية لان اندفاع القبائل في امتدادات جغرافية بعيدة جعل البعض منها يفتقد تدريجيا وجزئيا لبعض مواصفات الشخصية المرجع, والشخصية المرجع دعمت وشجعت بمرجعية السماء التي اعتبرت أكثر شيئا ثقيلا في الميزان يوم القيامة يقوم على أمرين هما :-
1- حسن الخلق
2- السخاء
وحسن الخلق يتضمن : الفطرة الطيبة , والانفتاح الاجتماعي
والشخصية العربية طموح, وطموحها لم يجعلها متقوقعة, بل منفتحة ومتحركة تتواصل مع محيطها حتى البعيد, ومن الشخصيات التي مثلت ذلك الطموح شخصية النبي محمد “ص” حيث مارس التجارة منذ أوائل شبابه وسافر إلى الشام, ومن الشخصيات الطموح: شخصية عبد المطلب جد النبي وكافله والذي سافر لتهنئة اول ملك للعرب وهو سيف بن ذي يزن وكان له من تلك الزيارة معرفة التنبؤ بظهور زعامة فتى تهامة إلى يوم القيامة ذلك هو النبي محمد “ص” .
ومن الشخصيات الطموحة شخصية الشاعر امرئ القيس الذي سافر للقاء ملك الروم ومات في بلاد الاناضول ودفن هناك وهو القائل :-
بكى صاحبي لما رأى الدرب نائيا
وأيقن انا راحلين لقيصرا
وكذلك شخصية الشاعر المتنبي كان طموحا وسافر إلى الاخشيدي كافور ملك مصر وهو يقول :
أبا المسك هل يأتيك راجل ….. فيرجع ملكا للعراقيين واليا ؟
وهذا الطموح لم يكن عند الكثير من الشخصيات العربية كما كان عند رسول الله “ص” فطموح رسول الله “ص” كان متشبعا بالإيمان الذي يجعل مرضاة الله فوق كل شيء , ويعزف عن زخارف الدنيا ” انتم بهديتكم تفرحون ” .
ولكن الطموح في الشخصية العراقية أصيب بثغرات وتعرض لتعرية جردته من قيم أخلاقية كثيرة , مما جعلته يهفو لمظاهر الدنيا وينسى الدار الآخرة .
زمن هنا غزته المظاهر واستولت عليه عقدة “الشهرة ” و ” الكرسي” والرئاسة “فترى هذه تستحوذ على اهتمامات الناس اليوم في كل شيء, في المسجد, والمضيف, والبراني, وصالون الاستقبال, وفي المكاتب الحزبية, ومكاتب الدولة ومؤسساتها, وتشعب غالبية النفوس بهذه المظاهر هو الذي يقف وراء كثرة الأحزاب, وتعدد المنظمات, وانقسام العشيرة الى أفخاذ, وانقسام المرجعية إلى مرجعيات, وهذا الانقسام الحاد في كل شيء هو الذي جعل الولاء غير حقيقي يركض صاحبه وراء المصالح والمنافع مما اثر على أخلاق الاجتماع من الفرد الى الاسرة الى القبيلة الى المجتمع ثم الدولة.
وهذا النوع من الولاء السوقي يمتاز بما يلي :
1- هو ولاء غير حقيقي
2- وهو ولاء سطحي
3- وهو ولاء موسمي
4- وهو ولاء نفعي مصلحي
وهذه هي بضاعة الولاءات اليوم يتساوى فيها : الولاء الحزبي , والولاء الوظيفي, والولاء العشائري, والولاء المرجعي لم يسلم في معظمه من هذا المرض, والاستثناء موجود ولكنه نادر وقليل .
فعلى الجميع ممن يستحضر لنفسه ولاء لابد منه عليه ان يراجع ويتفحص طبيعة ولائه خوفا من لوثة المرض الذي تدب فيروساته كما يدب النمل في الليلة الظلماء, ولنتذكر اغرب واتفه الولاءات التي أعطيت لمن نشر كتابا باسم جند السماء لا يعرف مؤلفه مات بسببه مئات الشباب من الذين لايستحقون ان يموتوا كتلك الميتة, ولكنها الغفلة والانفتاح غير المحسوب بحساب العقل والحكمة , وتلك خسارة لا نتمناها لكل نفس ادمية.

