دكتور طبيب, أستاذ في كلية طب.. يعقب عمال البناء ويبدأ برش الجدران التي ارتفعت الى ما فوق الشبابيك… وفي وجهه وعينيه وكيانه ومحيطه تتزاحم كل المعاني الجميلة للحياة من ظفر ورضا وسعادة وفخار وطمأنينة ووقت هانئ قادم مفعم بالتفاؤل… ويبتسم من وقت لآخر يتصور رشيش الماء على الجدران ينوش رضيعته فتشهق وتكركر.. أية سعادة؟
انه يبني بيته السعيد على قطعة ارض لا تتجاوز السبعين مترا مربعا.. سبعون فقط لا سبعمئة كما عباقرة وعلماء الوقت الجديد.. ولكنه يمتلك كل المدى وكل هذا الفضاء وكل محبته للبشر وكل حلمه الذي يتحقق… وما الجدوى من امتلاك الأرصدة والعمارات والقصور مع خسران الرضا عن الحياة ومع الشعور باللصوصية؟
وفي مكان آخر يسطع كيان آخر يهتف بظفر النظافة والنزاهة وبطعم الحياة الخالد مع خلود الحياة للبشر.. انه يبني داره على مساحة أوسع وأرحب وتصل إلى المئة متر.. وها هو أخيراً يتأكد انه تجاوز كل مواقف الموت في تاريخه النضالي ومن أعماله الفدائية ومن زحفه في الوديان والأراضي القصية وينشغل بعمل جميل آخر يوفر فيه المأوى لعائلته ويتمنى لو توفر مثله لكل الناس ولكل إنسان وحتى لأعدائه ..فذاك حق إنساني.
مثل الدكتور الطبيب ومثل المناضل القديم كثيرون وأكثر من حشود اللصوص وتجار السياسة والدين, وهؤلاء هم ملح الأرض وخميرتها وهم من يحملون المعنى الأطيب والأمناء على سر الله في الأرض.
تمنينا على ذوي الشأن لو التفتوا إلى ما جاور مكاتبهم وتحت أبراجها وسألوا عن مصير هذه الأملاك والأراضي وأوضحوا للمتسائلين عن حقيقتها وعما آلت إليه… أن تشفي صدور المواطنين عما يؤلمهم ويشعرهم بالحيف وبغياب العدالة وإن الدنيا لمن تقع الدنيا بيده ولماذا يتملكون في الأماكن الراقية كل تلك المساحات ؟؟؟
عدالة الحياة تتحقق دائما وان تأخرت.. وان غلق الأفواه وشراء الذمم واستشراء (الفرهود) لم يكن خالدا في يوم من الأيام …والأكثر ..فان العدالة متحققة في الحال.. فالشعور بالامتلاء وبثراء الحياة وبجدواها وبإمكاناتها لدى الطبيب النزيه والمناضل الكبير بعطائه لا تتوفر للصوص وللمفسدين… وان ألفة الطبيب وإشراقته ووحدته مع نثيث الماء.. وأصداء كركرة رضيعته لن توفرها كل الضياع والقصور والأرصدة.. فالطبيب في نسيج المجتمع بينما المستغل اللص الفاسد في قصره المنبوذ.. وربما الخسارة الوحيدة والمؤقتة ان المناضل وحده الذي لا يستطيع أن يتباهى بنضاله بين الملفقين والمزورين.