كان المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله يقول بالقابلية للاستعمار، وذلك في تحليل الواقع العربي في تلك الأيام سواء في الجزائر أم في غيرها من المنطقة العربية والإسلامية. والقابلية على الاستعمار تعني في ما تعنيه: “التقليد” من قبل القابل وهو المنفعل المتأثر بدون وعي، وتعني “المصدر” وهو صاحب الخطة والفعل. مازالت منطقتنا تتمثل بالقابلية للاستعمار حتى أيامنا هذه برغم كل ما يقال عن الأفكار الإسلامية، والأفكار القومية، والأفكار الاشتراكية بصيغتها اليسارية، ثم افكار الموجات الثقافية مثل الوجودية والتقليعات التي صاحبت ظهور المسرح ذي الجذور الأوربية، ومدرسة الشعر الحر التي تزعمها ت. س إليوت وتأثر بها بعض المثقفين العرب
رئيس مركز الدراسات والأبحاث الوطنية
ALITAMIMI5@yahoo.co
فكان للأدباء العراقيين حضورا اخذ طابع الريادة من خلال مجموعة السياب – نازك الملائكة – عبد الوهاب البياتي.
وما يسمى بالربيع العربي نقل إلينا كما نقلت رزمة المصطلحات والأفكار الغربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وتلقفها من لم يكن رصيده الثقافي متوفرا على معرفة الأبعاد والخلفيات التي تقف وراء ذلك المصطلح أو تلك الأفكار.
إن الفوضى الثقافية في المجتمع العربي هي البيئة الخصبة لنمو وانتشار الأفكار السياسية التي تحركها السفارات والقنصليات الأجنبية في المنطقة العربية والإسلامية.
ماذا يعني ان يكون كادر السفارة الأمريكية في بغداد بحدود عشرين الف موظف من مختلف العناوين والمهمات؟
ومثلما نقلت إلينا فكرة المدارس عبر المستر “جيب” في بداية القرن العشرين، وهي فكرة جيدة من حيث التأسيس التعليمي للمعرفة ولكنها مشروع للتغلغل في المنطقة ونشر الافكار التي تحمل مشاريع لا تنتمي للمنطقة الا من حيث الشكل الظاهري.
ومثلما اصبح التعليم مشروعا للاختراق بدل ان يكون مشروعا للتنمية، ومثلما اصبحت الاذاعة والتلفاز والمسرح هو الآخر مشاريع للاختراق بدل ان تكون مشاريع لاستكمال الهوية.
كذلك اصبحت الدولة والحكومة ظاهرة للانفصال عن المواطن وحاجاته وتطلعاته، لان مشروع الدولة في منطقتنا تحكمت به اجندات أجنبية منذ مايقرب من ثلاثمائة سنة، وهو تاريخ قدوم اولى جماعات الاستطلاع الأوربي التي شكلت لاحقا مشروع الاستعمار الأوربي الذي لعبت أدواره كل من:
1- اسبانيا
2- البرتغال
3- بريطانيا التي سميت في تلك الأيام ببريطانيا العظمى
4- فرنسا
5- ألمانيا
6- امريكا والتي لعبت الدور المهيمن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ومازالت الى اليوم بيدها مقاليد الأمور، يساعدها في ذلك كل من:-
7- تقدم علمي في كل المجالات ولاسيما في الفضاء وبرنامج حرب النجوم هو من منطلقات مفهوم السيطرة على العالم.
8- ثقافة مؤسساتية تعتمد على:-
أ- ثقافة اجتماعية، فيها التعليم والصحة والغذاء
ب- ثقافة سياسية
ت- ثقافة أمنية
ث- ثقافة اقتصادية: تقوم على التخطيط الذي يتخذ من البنوك والشركات الكبرى منطلقا للاستثمار.
9- ثقافة تاريخية تعتمد الفهم التوراتي الذي يتبناه المسيحيون الصهاينة اتباع الكنيسة الانكلوكانية المتطرفة وهي التي يقوم بعض القساوسة المتطرفين فيها بالاستهانة بالقرآن الكريم والقس المدعو “تيري جونز” هو من اتباعها وهم لا ينتمون الى الفاتيكان.
والاستعمار الجديد اليوم تمثله أمريكا وان لم تعلن ذلك مثلما كانت تفعل اسبانيا ثم البرتغال ثم بريطانيا التي أخذت شهرة الاستعمار واليها نسبت كل مظاهره.
والذين يتحدثون في منطقتنا وفي العالم من دول وشعوب مغلوبة على امرها عن الاستعمار ينسون مفهوم: “تداول السلطة” وشروطه موضوعيا من حيث العوامل التالية:-
1- وجود الهدف: الذي أصبح حاضرا عند الدول والشعوب التي تقدمت في مضمار كل من:-
ا- الصناعة
ب- السياسة
ت- التعليم
ث- الصحة
2- التنظيم والتخطيط: وهو ميزة من ميزات الدول والشعوب المتقدمة، بينما بقيت شعوبنا العربية والمسلمة تفتقد في حياتها إلى ظاهرة “الهدفية في الحياة” وظاهرة “التنظيم والتخطيط” في حين ان ثقافة القران الكريم تقوم على “وتلك الايام نداولها بين الناس”.
وظاهرة التداول بين الناس هي ظاهرة تداول “القوة ” و “الغلبة” بمعناها الانساني الحضاري من احكام السيطرة على الطبيعة وتذليل المصاعب امام الفرد والمجتمع بما يسرع من وتيرة التنمية والبناء وتحقيق الرفاهية والعدالة للجميع، وليس ان تستعمل “القوة” و” الغلبة ” للقهر وتسخير الاخرين وتهميشهم وسلب خيراتهم كما فعلت دول الاستعمار القديم والحديث، وكما فعلت امريكا في العراق حيث مسخت الدولة العراقية وصنعت لها الاعاقة والشلل الذين مازال العراق يعاني منهما وتركته يعاني من أغلال الفصل السابع التي تسلب السيادة وتربك التوازن لدى الدولة التي تصبح تحت بنود الفصل السابع وهو مفهوم من مفاهيم الاستعمار الجديد الذي وضع بمكر ودهاء في أروقة مجلس الامن الدولي، ليصبح تهديدا لما يسمى بالدول المارقة، ودعوات أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي المتكررة لتطبيق بنود الفصل السابع على دولة عربية هي سورية تدل على مدى استلاب الهوية الوطنية والكرامة لدى من اصبح خاضعا لتنفيذ لعبة الامم واداة من ادوات الدول الكبرى التي تعتمد مفهوم المغالطات في كل من:-
1- الديمقراطية وشعاراتها: حيث تسعى لديمقراطية ظاهرية في بلدانها ينخدع فيها الكثير، ولا يعرف عيوبها الا القليل ولذلك انتبه بعض رجالات ومفكري تلك الدول مثل امريكا وبريطانيا وفرنسا وكتبوا الكثير من الانتقادات للنظام الديمقراطي وللطريقة التي تعتمدها الدول التي ترفع شعار الديمقراطية والحرية ولكنها تطبقه بطريقة تنسجم مع مصالحها فقط ومن الامثلة على ذلك ماجرى للمفكر الفرنسي “غارودي” عندما انتقد سياسة التحيز لإسرائيل من خلال مايسمى بالعداء للسامية ومذبحة اليهود، وتبرئة اليهود من دم السيد المسيح، فما كان من الدولة الفرنسية الا ان اعتقلت ” غاودي ” ومنعت كتبه من التداول. وما حدث للسيدة “سوزان” الامريكية التي شغلت منصب معاون في مديرية استخبارات البنتاغون في عهد السيد جورج بوش الابن والتي اكتشفت مغالطات وعدوانية الحرب على العراق، فرفضت الخضوع لتلك المغالطات فكانت نتيجتها ان عزلت من منصبها واعتقلت لمدة خمس سنوات بدون محاكمة. كل ذلك وغيره الكثير مما يجري تحت شعار ” الديمقراطية “والحرية” و “وحقوق الإنسان”.
2- حقوق الانسان: وهو الشعار الذي سقط في العراق.
وما جرى في العراق من خلال الاحتلال الامريكي من تطبيق ديمقراطية مشوهة وغير حقيقية فرضت على الشعب العراقي حتى اصبح العمل السياسي في العراقي مشلولا ومشروع الحكم فاشلا، واحداث سجن ” ابو غريب ” في بغداد و”سجن بوكا” في البصرة هي من الشواهد العملية على بطلان مدعيات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وعندما تسقط شعارات الديمقراطية وشعارات حقوق الانسان من قبل من يدعي بها ولاسيما امريكا وبريطانيا وفرنسا فان مفهوم المغالطة يصبح هو الاكثر حضورا فيما سمي بالربيع العربي الذي دغدغ أحلام الشباب في العالم العربي والإسلامي قبل غيرهم نتيجة كساد وترهل وفشل الأنظمة في المنطقة العربية والتي تتولى تلك الدول الكبرى رعايتها وتبيح لها استعمال السطوة على مواطنيها مادامت تلك الانظمة خاضعة وتابعة للسياسة الامريكية التي تعتمد على توفير الامن والامان للدويلة الصهيونية التي تحتل ارض فلسطين وتهجر شعبها، وما استعمالات الفيتو التي بلغت ستين فيتو من اجل عدم المساس بالدولة الاسرائيلية وتركها تلعب بمقدرات الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة على مزاجها الخاص ورغبتها المولعة بالاستيطان ومحو هوية المواطن الفلسطيني صاحب الحق بالارض، بينما نجد ان الدبلوماسية الامريكية بشخص وزيرة خارجيتها السيدة كلينتون وبشخص ممثلتها في الأمم المتحدة تعتبر أن الفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن الدولي ضد تمرير عقوبات على الدولة السورية هو مما يدعو للغثيان والاشمئزاز.
وهنا تتجلى صورة المفاهيم المغلوطة من قبل صناع ما يسمى بالربيع العربي ولذلك تحول الربيع العربي وبسرعة الى صيف لاهب وشتاء قاحل وخريف لا يحمل الا الجفاف من خلال الأحداث التالية:
1- نشوب صراع قبلي ليست له نهاية منظورة في ليبيا ومن معالم هذا الصراع القبلي الليبي الذي لم نكن نتمناه للشعب الليبي الذي عانى كثيرا وعلى مدى “42” عاما من حكم القذافي صاحب الكتاب الاخضر الذي يعتبر بدعة الافكار التخريبية ومثال الانحطاط الثقافي والهزيمة التاريخية للانظمة الاوليكارية الدكتاتورية، وهذا الكتاب قام مسؤول احد احزاب المعارضة العراقية في التسعينات بترجمته للغة الكردية وقدمه للقذافي تملقا وتزلفا فمنحه القذافي خمسة ملايين دولار أمريكي وهذا الرجل هو اليوم يحتل منصبا سياديا في الدولة العراقية التي حرص الاحتلال الأمريكي على تشويهها فاصبحت عاجزة عن حماية اجوائها ولا تعرف كيف تتعامل مع الطيران الذي يمر بسمائها، ولا تحسن ادارة التراخيص النفطية للشركات الأجنبية، وتخشى من الاقتراب مما سمي ظلما وزورا بالمناطق المتنازع عليها، وتبقى حدوها الشمالية مع تركيا نزهة للطيران التركي وملاذا لحزب العمال الكردي التركي “PKK” ولا تحسن التخطيط لمشاريع الاستثمار ولم تكتشف سر ولغز الكهرباء التي تحولت الى احجية من احاجي دهاليز السياسة المظلمة في العراق، كل ذلك حدث ويحدث من خلال المغالطة المتعمدة في مفهوم الاعمار والبناء والتنمية التي اشرفت عليها الولايات المتحدة الأميركية المدربة على استغلال سذاجة الشعوب وعدم نضجها الثقافي والسياسي في المجالات كافة.
2- ارباك الحياة السياسية في تونس وأحداث مدينة ” سيدي بو زيد ” الاخيرة والتي قام سكان المدينة بطرد المحافظ المحسوب على الاحزاب السلفية التي وصل تطرفها الى ان يقوم راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الاسلامية في تونس.
3- العمل على افراغ الثورة المصرية والتي عرفت بثورة التحرير من محتواها من خلال اللعب على دور العسكر ودور الاحزاب السلفية والتي يتقدمها “الاخوان المسلمون” الذين لم يحسنوا ادارة التحرك الشعبي في لحظاته الاولى رغم خبرتهم وتاريخهم الجهادي الطويل ضد الانظمة في مصر، كل ذلك حدث في مصر من خلال سياسة المفاهيم المغلوطة لمن يقف خلف ما سمي بالربيع العربي الذي تلقفه البعض بدون وعي ومشى به البعض الاخر بدون خبرة، وشارك فيه البعض لغايات ومصالح شخصية مستغلين حاجة الشعب المصري للتغيير والحرية والكرامة السيادية التي سرقتها معاهدة “كامب ديفيد” لصالح إسرائيل والتي جعل منها صناع الربيع العربي شرطا لضمان الأمن الإسرائيلي، وعلى ضوء ذلك جرت الاتفاقات السرية مع أحزاب التيار الإسلامي في مصر والذين لم نكن نتمنى لهم أن يعرضوا تاريخهم الجهادي وثقافتهم العقائدية التي تنتمي الى شورى الحكم والسلطة والخلافة والدعوة والإرشاد من اجل الحصول على دور محدود في السلطة، وهو نفس الخطأ الذي وقعت فيه أحزاب التيار الإسلامي في العراق التي اصبحت تعرف بأحزاب السلطة، فلم تضمن السلطة بمعانيها الدستورية، ولم تحظ بقبول الناس مما جعلها تفتقد الشعبية الحقيقية التي استعاضت عنها بشعبية محدودة وانتهازية مسخت كل معاني الولاء والريادة التي يحققها مفهوم الشورى وولاية الأمر المبنية على قاعدة علمية تنتمي لبوصلة السماء صاحبة “الاصطفاء” الذي لا ترد خياراته عند أهل العقول واصحاب الفهم الذي تتميز به النفوس المطمئنة التي تعرف ربها أولا وتعرف مجتمعها ثانيا وتسخر خدمتها المجردة لصالح الناس فتختصر مفاهيم الشورى والديمقراطية في حزمة من العمل الذي تتجذر شعبيته بعيدا عن الادعاء والمغالطات كما يحدث اليوم فيما سمي بالربيع العربي المملوء بالمغالطات التي تشهد عليها محنة الشعب البحريني المسالم، ومحنة الشعب اليمني الذي ضيعوا انتفاضته الشعبية بتدخل الإرادات الخليجية المصنعة أميركيا والمرضية إسرائيليا بدليل دعوتهم الى دول المغرب والأردن الى الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي وهي مفارقة تنظيمية وسياسية وجغرافية تجعل من حجم المغالطات ظاهرة متضخمة تنتظر الانفجار.
4- العمل على جعل الدولة السورية التي تنتمي إلى محور الممانعة والمقاومة كبشا للفداء ومحورا لتجميع كل مغالطات مفاهيم الربيع العربي المستنسخة بإرادة أمريكية وبتحالف اوربي إسرائيلي وبتبعية لكل من:
ا- حكومة اردوغان التي يعارض سياستها تجاه سورية 80|0 من الشعب التركي والتظاهرات التي عمت مدن انقرة واسطنبول وهاتاي، وغازي عين تاب هي من الشوهد على ذلك، والتي وصل سوء التقدير للموقف عندها الى ما يجري من تحشيد لقواتها على الحدود السورية ومن علائم فشلها في تبني ما يسمى بالجيش السوري الحر الذي تدفع رواتبه السعودية وتمده بالسلاح قطر عبر حكومة اردوغان وهؤلاء الثلاثي شكلوا مثلت المفاهيم المغلوطة في التحرر والديمقراطية، ويأتي في مقدمة من يقود المفاهيم المغلوطة امريكا وفرنسا وبريطانيا التي رشقت المحتجين في لندن بالرصاص المطاطي مثلما منعت فرنسا قيام تظاهرة للسوريين المقيمين في فرنسا لتأييد النظام السوري فهل هذه هي الديمقراطية التي يبشرون بها، ومثلها ما قامت به مجاميع المعارضة السورية في القاهرة من الهجوم على وفد المثقفين والصحفيين والفنانين السوري الى الجامعة العربية عندما هجموا عليهم بالعصي والحجارة فهل هذه هي ديمقراطية الربيع العربي. واخيرا ماصرح به هذه الايام بان كي مون امين عام الامم المتحدة في زيارته لفرنسا وظهوره في مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي هولاند والذي دعا فيه الحكومة السورية الى وقف اطلاق النار من جانب واحد. فهل يعقل ذلك. هذه هي بعض مغالطات مفاهيم الربيع العربي التي اشعلت الفتنة وتصر على عدم اخمادها لغايات هي تعرفها جيدا ويجهلها الكثير لاسيما المدفوعون بالحس الطائفي، والحكومة التركية اليوم يظهر عجزها في عدم قدرتها على استحصال اجماع دولي على دعمه وعدم قدرتها على توحيد المعارضة السورية، ويعود كل ذلك الى تبني حكومة اردوغان دعم التنظيمات الارهابية التي تضم مرتزقة من شتات لايجمعها مفهوم ومصداق الثورة السورية مثل المقاتلين من ليبيا وتونس والشيشان وأفغانستان ومصر والسعودية والاردن وتركيا كل هذا الخليط غير المتجانس والذي كان سببا في دمار احياء المدن السورية في حمص وحلب ودمشق وحماة وادلب ودير الزور ودرعا والمواطن السوري وحده الشاهد الحقيقي على مايحصل في سورية بينما تعمل دول صناعة مايسمى بالربيع العربي ومن معهم ممن خانتهم بوصلة الجهاد والنضال الحقيقي واستمرئوا الدعم الاجنبي الذي تختفي ورائه ارادات متكررة متفقة على تقسيم العالم العربي والاسلامي منذ مايزيد على ” 300 ” سنة ترجمتها معاهدة سايكس بيكو منذ قرن من الزمان ووعد بلفور الذي تم تحقيقه عام 1948 باحتلال فلسطين وتهجير ارضها، وحرب عام 1956 التي عرفت بحرب قناة السويس، وحرب عام 1967 التي عرفت بنكبة حزيران، ثم حرب مايسمى بتحرير الكويت والتي فتحت شروخا في جسم الامة وتشوهات في ثقافتها لما تندمل بعد، ثم حرب مايسمى زورا بتحرير العراق عام 2003 ثم جاءت الطامعة الكبرى بموجة التخريب العام والشامل فيما سمي بالربيع العربي وهو تضليل جديد وغطاء لاستكمال مخطط الشرق الاوسط الجديد والفوضى الخلاقة التي جعلت من لعبة الامم ممارسة مبنية على الدهاء والمكر لايعرف اسرارها الا من اوتي بصيرة ثاقبة وفهما عميقا للامور والأحداث لا يتأثر بالترسبات الطائفية التي اصبحت تمثل جيولوجيا بعض الافكار المتحجرة مثلما تمثل جغرافيا التصحر الثقافي والروحي الذي ما حل بأمة او شعب الا وجعله مسخا ونسيا منسيا وهذا ما يحدث اليوم في منطقتنا، حيث استطاعت لعبة الامم تحويل الربيع العربي الى سقيفة جديدة تشوه فيها الافكار وتعطل فيها العقول وتغير فيها الحقائق، وتستبدل فيها الارادات الى حيث تكون ارادة الشر هي الحاكمة، والا كيف تدمر الدولة العراقية بالاحتلال وتصنع لها بؤر سياسية فاسدة، وكيف تصبح مصر غير قادرة على حماية جنودها في سيناء الذين أصبحوا يغار عليهم من قبل مايسمى بالجماعات الاسلامية السلفية، وتفرض عليها إسرائيل عدم تحريك المعدات الثقيلة في سيناء، وكيف ولمصلحة من وبأي فهم سياسي يتحدث السيد محمد مرسي رئيس مصر المنتخب بالربيع العربي عن انه لا يهدأ له بال حتى يتحرر الشعب السوري ويسقط بشار الاسد، ونحن هنا لا ندافع عن بشار الاسد كما يحلو للبعض من محدودي الفهم السياسي، ولكننا نقول ان الشعب السوري لم يخول أحدا منا للحديث عنه ولكنه يطالبنا بالإنصاف وتقييم موقفه والنظر بتجرد الى ما يحل به، والشعب السوري له علماؤه ومفكروه الذين يتحدثون عنه مثل: الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رئيس رابطة اتحاد علماء بلاد الشام وامام الجماعة في المسجد الأموي في دمشق والمفكر الدكتور علي الشيعبي الذي كان ينتمي للاخوان المسلمين سابقا وانا كمراقب للحدث السوري ارجح رأي هؤلاء الاكثر علما وخبرة والاكثر حضورا في الوسط السني السوري ولا ارجح أقوال وتصريحات بعض المشايخ في الفضائيات المضللة المتحيزة ضد الشعب السوري إعلاميا وسياسيا اولا لقلة معرفتهم الفقهية وثانيا لتاريخ بعضهم المشوش ومما يساعدني في ذلك انني ارتبطت مع بعض الشرائح السورية بعلاقات اجتماعية تاريخية يوم كنت طبيبا شرعيا في مستشفى مدينة دوما من ضواحي دمشق وطبيبا في مديرية صحة دمشق احمل هوية رقمها ” 13″ في تسلسل اطباء مدينة دمشق، وارتبط بعلاقات اخوية مع بعض عوائل حمص ولذلك عندما تعرضوا لتدمير بيوتهم وتهجيرهم الاضطراري استضفتم في منزلي في العراق فهل يحق لاحد ان يساوم على علاقتنا وموقفنا من اهلنا في سورية، لذلك عندما نتحدث عن الحدث السوري نمتلك التفاصيل مثلما نمتلك المفردات العلمية في الفقه والرواية التي تنظر لما يقع من احداث وتعطيه التوجيه والتفسير الذي لايغادر حقائق الاشياء ولا يظلم الناس وينصف اصحاب المواقف المختلفة، وهذا مما لاتاخذ به لعبة الامم اليوم لاسيما فيما يسمى بالربيع العربي.