Pdf copy 1

“ولا تبخسوا الناس أشياءهم”

قرآن كريم

الإسلام نظام للحياة, على هذا الفهم نشأنا وترعرعنا, وعملنا حركيا فكانت حركتنا من اجل الإنسان والحياة, لم نعبأ بما حولنا من عادات وتقاليد يختلط فيها الجهل الذي يكون تارة طائفيا, وتارة أخرى عنصريا وأنانيا لا يميز بين الحق والباطل, لذلك كان واجبا علينا نشر الوعي بين أبناء مجتمعنا على قاعدة ” قل هذه سبيلي ادعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني ” والتي تفسرها مقولة نبي الرحمة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ” ” من أصبح وأمسى لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ” .

كنا مشبعين بهذه الروح, وبذلك الانفتاح, لذلك جعلنا من جامعات العراق في الستينات مسرحا للنشاط الملتزم بالإيمان الذي جعل من قلوب الشباب تهفوا إلينا, فحققنا في سنوات قليلة ما لم تحققه أحزاب أخرى خلت من جذوة الإيمان في عقود من السنين, والذي حققناه يمتاز بالنوعية على طريقة وصية رسول الله “ص” لعلي بن أبي طالب :” يا علي لو هدى الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس او غربت ” .

فكانت مواكب الجامعات في الستينات من ثمرات توجهنا الحركي لتغير المجتمع, من خلال تغيير العادات والتقاليد, ولأن مراسيم إحياء ثورة الإمام الحسين دخلت فيها شوائب ليست منها, لذلك بادرنا لرسم صورة عصرية لإحياء المراسم يتقبلها الأخ السني مثلما يتقبلها الشيعي, ويتقبلها الآخرون ممن لا يعيشون تحجرا في العقل, ولا مرضا في النفس .

كنا معنيين بتقديم المفهوم الإسلامي في الحياة والعلاقات والمعاملات, لذلك نظر الآخرون لنا نظرة شك وريبة, وأحيانا نظرة خوف يؤدي الى الصدام, ومن الآخرين الذين يشملهم هذا المعنى, هم الشيوعيون والبعثيون, ولان الشيوعيين كانوا في مرحلة شيخوخة وتراجع, والبعثيين كانوا في مرحلة تطلع للسلطة, يساعدهم في ذلك احتضان المخابرات البريطانية والأمريكية لهم لا حبا بهم كما يفعلون الآن في احتضان القاعدة, وإنما إرباكا للمشهد الاجتماعي, ومنعا من وصول الإسلام الى قيادة المجتمع والدولة .

وعندما تسلم حزب البعث في العراق السلطة في انقلاب معروف من يقف خلفه, وذلك لمعرفة المخابرات الغربية وعلى رأسها الأمريكية: ان مواكب الجامعات في العراق هو عمل منظم استهوى قلوب الكثير من الناس في العراق, وعرفوا أن حزب الدعوة الإسلامية الذي يقود هذا العمل التغييري الكبير سيكون مؤهلا لاستلام السلطة, لذلك سارعوا الى تهيئة الأمور لاستلام حزب البعث السلطة في العراق, وهكذا كان, لذلك سارع حزب البعث الى ضرب الحركة الإسلامية في العراق من خلال ضرب حزب الدعوة وقواعده في الحوزة العلمية في كل من النجف الاشرف وكربلاء والكاظمية والبصرة, فأصدرت القيادة القومية التي يترأسها في ذلك الوقت مشيل عفلق بيانا تقول فيه: ان حزب البعث نجح نجاحا باهرا ولم يبق من عقبات أمامه الا حزب الدعوة الإسلامية, والحوزة العلمية في النجف الاشرف, فعلى الحكومة وضع الخطط لذلك فكانت أول خطوة اتهام بعض الشخصيات المحسوبة على المرجعية والمنتمية لحزب الدعوة الإسلامية ان تتهم بالعمالة للمخابرات الأجنبية وهي تهم جاهزة استثمرها حزب البعث كثيرا حتى انقلب السحر على الساحر, فكان مدحت الحاج سري هدفا لتحقيق ذلك الغرض حيث فرض عليه كما بين لاحقا أخوه رفعت الحاج سري ذلك, فاتهم السيد مهدي الحكيم نجل المرجع السيد محسن الحكيم, ثم اخذ مسلسل الاتهامات يتوسع ليتهم بعض التجار بالعمالة ومنهم المرحوم التاجر البصري عبد الحسين جيته, ثم بدا مسلسل تفسير طلاب الحوزة العلمية في النجف من غير العراقيين, ثم بدا مسلسل ملاحقة الدعاة بالإعدامات والسجون بأحكام ارتجالية حتى اصدر قرار 156 في 31 | 3 | 1980 الصادر عما يسمى بمجلس قيادة الثورة الذي نص على إعدام الدعاة وبأثر رجعي الى القرابة الرابعة, ثم بدأت محاصرة الشعب العراقي وفرض الانتماء لحزب البعث قسرا ثم اندلعت الحرب العراقية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران بتخطيط أمريكي أوربي إسرائيلي مشترك, وتلاحقت الأمور بعد ذلك من سيئ الى أسوا حتى فرض الحصار الاقتصادي المدمر على الشعب العراقي, بعد تورط عصابة صدام حسين بغزو الكويت واحتلالها ذكرت كل ذلك لبيان الصورة عندما نتحدث عن النظام السوري الذي أصبحت سورية اليوم مستهدفة بحرب كونية تستثمرها اسرائيل لضرب مراكز القوة الصاروخية في سورية, حيث شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارتين ضد المراكز البحثية في جمرايا بالقرب من دمشق بعد ان وجدت فرصتها بانشغال الجيش السوري بملاحقة الجماعات المسلحة التي تضم غير السوريين بدعم من تركيا وقطر والسعودية وبعض إمارات الخليج , ودول ما يسمى بالربيع العربي .

ولوضوح أطراف الهجمة على سورية التي لا يمكن لعاقل وطني ان يصدق بأهدافها ويطمئن لمشاريعها, ولوضوح هوية الجماعات المسلحة منذ أحداث درعا والتي شوهت كثيرا وقلبت فيها الحقائق, ولمعرفتنا بان المنطقة كلها ومنها العراق هي المستهدفة في هذه الحرب الكونية, ولان النظام السوري كان طيلة السنوات الماضية داعما حقيقيا للمقاومة الفلسطينية, وللمقاومة اللبنانية, ولمواقف أخرى تميزت بعدم التهور كما في موقفه من الحرب العراقية الإيرانية, وموقفه من غزو الكويت واحتلالها, وعدم خضوعه للمطالب الأمريكية والغربية, ثم ان النظام السوري الذي نعرف الفساد فيه وفي أجهزته الأمنية, كما نعرف الفساد الإداري والمالي, وكنا ضد هذا السلوك نقوله علنا ولم نجامل فيه النظام حتى عندما كنا معارضين لنظام صدام حسين الذي فرض علينا الإعدام فاضطررنا للتواجد في سورية ” والضرورات تبيح المحظورات ” ومن خلال تواجدنا في سورية واحتكاكنا بالمجتمع السوري اكتشفنا البون الشاسع بين نظام البعث في العراق ونظام البعث في سورية, حيث لمسنا عدم قيام حزب البعث في سورية بإجبار السوريين على الانتماء لحزب البعث قسرا كما كان يفعل صدام حسين, ثم لمسنا عن قرب عدم تورط حافظ الأسد وأبنائه ومنهم بشار الذي يقود سورية اليوم ضد الحرب الكونية ضد سورية وهو يحظى بولاء الجيش العربي السوري بعد أكثر من سنتين من الحرب المدمرة ومعه الحواضن الدينية من مسلمة ومسيحية بولاء شعبي كثير اعترفت به الصحافة الغربية ومراكز البحوث وهي ضده, ثم ان النظام السوري على عكس نظام صدام حسين سارع للاعتراف بوجود الأخطاء, كما اعترف بالحاجة للإصلاح, فألغى المادة ” 8 ” وهي التي تجعل القيادة حصرا لحزب البعث, ثم دعا الى التعددية الحزبية, واليوم هناك أكثر من ” 11″ حزب مجازة في سورية, ثم دعا الى الحوار, ولكن أمريكا رفضت على المعارضة المرتبطة بها من الحوار مع النظام .

ثم ظهر واضحا مقدار ترحيب إسرائيل بتدمير وإسقاط الدولة السورية وتفتيتها, ومن ذلك مثلا قيام إسرائيل باستقبال علاج جرحى الجماعات المسلحة في المستشفيات الإسرائيلية وهو دليل لا يمكن تبريره مهما كانت الأسباب, يضاف الى ذلك الموقف التركي الذي يتزعمه اوردغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو, ثم إمارة قطر التي تقود الحملة ضد سورية بصورة ملفته مما جعلها تفرض على الجامعة العربية تجميد عضوية سورية في الجامعة وهو قرار لا ينسجم مع النظام الداخلي للجامعة, وأخيرا قادت قطر مع أمين عام الجامعة العربية ووزير خارجية البحرين والأردن التوقيع مع وزير الخارجية الأمريكية قبول التنازل عن حدود عام 1967 لصالح إسرائيل, وبذلك انكشف قناع هذه الأنظمة التابعة بذل لأمريكا, وقد انكشف قناعها قبل ذلك عندما قام الرئيس الأمريكي اوباما بعقد مصالحة بين اوردغان التركي ونتنياهو الإسرائيلي, كل ذلك من اجل توحيد الجهود لضرب سورية .

ثم ان النظام السوري وهذا واقع لا يمكن نكرانه وهو ان النظام السوري لم يكن مدينا لاي دولة خارجية وهي ميزة يتفرد بها النظام السوري, ثم انه النظام الوحيد في المنطقة المكتفي زراعيا, ولذلك رغم شدة الأزمة والحصار ظل النظام السوري قادرا على تقديم رغيف الخبز؛ ثم ان كل الطوائف والأديان كانت تعيش في سورية بحرية مقبولة, حيث كانت المساجد تعيش حرية العبادة والعمل ولم تفرض عليها القيود كما فعل صدام حسين في العراق, كل ذلك لا يمكن للمراقب المنصف ان ينكره ولا يأخذه بالحسبان؛ ثم ان الذين ظهروا معارضين للنظام السوري لم يكن لأغلبهم تواجد مع الشعب السوري واغلبهم من المرتبطين بالمخابرات الغربية مثل “بسمة قضماني ” التي كتبت كتابا تهاجم فيه القرآن اسمه ” هدم الجدران ” قامت بطباعته جمعية يهودية عام 2008 اما الجماعات المسلحة فأعمالها لا تنتمي للمعارضة الوطنية, فهي بالإضافة الى تمسكها بالطلب العلني للتدخل الأجنبي, فضلا عن أعمالها التي أصبحت دراية وليس رواية كما يقال, فالاغتصاب, والخطف, والقتل على الهوية, والذبح بالسكين والسيف, وحتى بالمنشار الكهربائي, واستعمال الغاز السام ضد المواطنين كما حدث في خان العسل في حلب لتتهم به النظام كما كانت تفعل في بداية الأحداث حيث كانت تقتل المتظاهرين لتتهم به النظام, ثم ان استهداف المصانع الأهلية ونهبها ونقلها الى تركيا, ثم استهداف خطوط الكهرباء وسكك الحديد ومخازن النفط والبنزين, واستعمال التفجيرات في ساحات المدن والشوارع والمدارس والمستشفيات, كل ذلك يجعل المراقب المعتدل لا يمكنه تأييد مثل هذه المظاهر والأعمال, لأنها لا تنتمي لروح المعارضة, وإنما هي تنتمي لهوية التمرد والعصيان .من هذا كله فان النظام السوري الذي ذكرنا ماله وما عليه, فهو يحظى بتأييد دول كبرى, ودول البريكس, ودول إقليمية, ومجموعات المقاومة ضد إسرائيل التي ثبتت مصداقيتها, ونتيجة للمواقف العدوانية الواضحة لأمريكا وبريطانيا فرنسا بالإضافة الى إسرائيل, بعد كل هذا الاستعراض باختصار نرى ومن موقف شرعي وأخلاقي, ان رفض العدوان والحرب الكونية على سورية, هو موقف وطني أنساني نحتاجه نحن في العراق, حتى لا يشغل البلد بما سمي بتظاهرات الغربية التي تطبل لها فضائيات الفتنة والتحريض لتفتيت العراق, فهل بعد ذلك من تخرص وقد حصحص الحق, وأسفر الصبح لذي عينين.

التعليقات معطلة