على متن مساحة مماثلة لعمودي هذا نشرت عمودا في عدد جريدة (المستقبل العراقي) ليوم 24/حزيران العام الماضي، كان قد اتخذ من صراحة وواجب التذكير بعطاءات واغداقات الملحن الكبير (طالب القرغولي) مدخلا في عرض ما آل اليه وضعه الصحي والنفسي وتفاقم جفاء بعض الأصدقاء بحق هذا الفنان الذي رسم حدودا واضحة، أضحت راسخة في واقع وضمير ووجدان اللحنية العراقية، بعد أن نقل (القرغولي) مسار الأغنية السبعينية وهام بها نحو محافل التعبير وبلاغة التطريب، فضلا عن صياغة مقدمات موسيقية لأغان عملاقة وعميقة برهان وعيها ورصانة بنائها وسبل طرائق أدائها، هل بإمكان الذائقة الفنية المتطورة أن تنسى أو تتغاضى عن أغنية (روحي ولا تكلها شبيج) مثلا؟!

و(أعزاز)…(حاسبينك)…(حسبالي)…(تكبر فرحتي)… (حن وانا حن)…(يم داركم) أو (جذاب) أو (ليل البنفسج) هذه الأغنية التي حفرت عميقا في دواخلي، وأجبرتني عوالمها وأنفاسها لكي أتخذ منها عنوانا لصوت وصدي تلك الأغنية طيلة تمتعي بسماعي لها طوال طريق عودتي- قبل أيام من تأريخ نشر ذلك العمود والذي كان بعنوان (ليل البنفسج)- قادما من أربيل الى بغداد حيث وضع سائق سيارة الأجرة قرصا مضغوطا في فتحة مسجل سيارته، ليشع -بعد ثوان- ببريق صوت عملاقين هما (طالب القره غولي) و(ياس خضر)، فيما ينفرد صوت (ياس خضر) غناء معبرا للحن (القره غولي) في سفر رائعة تلحينه لها، وهي تقطر أنينا وحنينا وعتابا حانيا كان قد توالد من شاعرية عبقرية (مظفر النواب)، رحلتين كانت في طريق تلك الرحلة من أربيل الى بغداد، رحت أستعيد أمجاد وخوالد ما قدم (أبو شوقي) -طالب القرغولي- من مآثر الحان رائقة وعصية على أي تجاوز أو نسيان، أو أية محاولات لتجاهل مقصود يسعى لتخطي موهبة حفلت بوجودها، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي- وهي تمضي قدما خلاقا بأغنية (ياخوخ يا زردالي) نحو رسم وترسيم معابر حضوره وثقة تواصله قادما من سحر وعمق الناصرية مدينة ثوالث الأداء الشجي المرهف (حضيري أبو عزيز/ وناصر حكيم/وداخل حسن) ليمنح الأغنية العراقية فضاءات أوسع وبهاءً (المع) وليمد بدفقها وحنينها الى مصاف علوم الموسيقى ومعارفها بعيدا عن الارتجال والاستجابة الآنية وليحقق لها الانفتاح ووصيت الشهرة الأوسع عبر تلحين القصيدة الفصحى والأغنية الشعبية الرائقة والاعمال المسرحية وغيرها من المثابات الكبيرة التي أطرت تجربة هذا الجنوبي الجميل بروحه وصدقه وسلامة قلبه وانتمائه الوطني، فهل يصح أن يركن أو أن تركل انجازات (طالب القره غولي) هكذا بحجج انضوائه تحت خيمة مرحلة النظام السابق،و(يكافأ) بهذا الاهمال والتغافل بعيدا عن محبيه، عن شواطئ ذكرياته ونسائم عن (سفر أيوب) السياب أم (صبر أيوب) عبدالرزاق عبدالواحد، قصائد وأغان تبدأ ولا تنتهي في سجل مبدعنا (القره غولي) الذي رحل عنا قبل أيام وفي نفسه شيء من تلك الأحاسيس، التي حاولت وزارة الثقافة التخفيف عنها بالإيعاز والإشراف على إعادة تسجيل بعض أغانيه المهمة، ضمن فعاليات بغداد عاصمة الثقافة العربية/2013 لتشكل نبل اعتراف وعرفان لما قدم ملحننا الكبير.

Hasanhameed2000@yahoo.com

التعليقات معطلة