Pdf copy 1

في ذكرى استشهاد بطل الميادين الجهادية من فراش الموت الى مسيرة الهجرة التي لم يفلح أبو سفيان في ردعها الى معركة بدر الكبرى ومعركة أحد التي لم تثنه إثخان الجراح من الخروج الى حمراء الاسد لكبح جماح السفيانيين الذين توعدوا القصاص من محمد بن عبد الله وعصبة المؤمنين ونسائهم , ذلك اللقاء المرتقب الذي كان يتشوق اليه علي بن أبي طالب وهو يحمل ثمانين جراحة في جسده الشريف مما جعل بعض المتابعين لسيرة هذا الامام المفخرة يحارون في وصفه: هل هو بشر سويا؟ أم ملكا أنسيا؟ أم شيئا فوق ذلك؟.

وهؤلاء الذين اضطربوا في وصف الامام علي عليه السلام , نسوا معنى “وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” – 63- الفرقان – والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ” – 64- الفرقان – والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين اماما ” – 74- الفرقان – .

وترجمة لذلك كان الامام علي عليه السلام يقول: هلك الرجل اذا كثر خلفه خفق النعل ” يعني الحواشي ؟ التي أصبح بعض المتدينين اليوم يحرصون عليها قبل كل شيء كمظهر من مظاهر الدنيا التي طلقها علي بن أبي طالب.

والامام علي بن أبي طالب هو الذي كان يقول :” والله لقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها”.

وكان يقول لابنيه الحسن والحسين : أي بني : اعلما أني عشت مع أولهم وآخرهم حتى صرت كواحد منهم , فاستخلصت لكم من كل شيء جميله , معبرا بذلك عن دراسة التاريخ وكيفية الحكم على مواقف الافراد فيه , وهي التفاتة سبقت كل أصحاب النظريات الاجتماعية في دراسة التاريخ , ثم يقول لابنه محمد بن الحنفية وهو يوجهه للجهاد في سبيل الله : ” تد في الارض قدمك , أعر الله جمجمتك ” وهو من علوم الحرب النفسية وفن القتال الذي قال عنه : لقد مارسته وما بلغت العشرين وها أنا ذا نيفت على الستين ” .

وكان يقول للذين يسألونه : كيف كنت تصرع أبطال العرب؟

“ما نازلت رجلا الا وأعانني على نفسه” شجاعة تطغى على كل المواقف فتصنع الحيوية واليقظة التي قال عنها “وحش الذي كلف من قبل هند زوج أبي سفيان بقتل علي بن أبي طالب, فقال لها: لا أستطيع لان علي بن أبي طالب كثير

الالتفات حاد اليقظة والانتباه.

علي بن أبي طالب عليه السلام : هو الذي سبق أرخميدس في قاعدته التي تقول: وزن الماء المزاح يساوي وزن الجسم الغاطس, وهو الذي تكلم في الكيمياء الحيوية قبل معرفتها في الطب الحديث, وذلك عندما فرق بين زلال البيض, ومني

الرجال.

والامام علي عليه السلام هو الذي استعمل طرق التحليل النفسي, وعلم أشارات الجسد قبل أن يعرف الناس طرق التحليل النفسي التي قال بها فرويد وآخرون, وذلك عندما فرق بين الأم الحقيقية للطفل والثكلى, وعندما فرق بين السيد والعبد

الذين اختلفا في العلاقة بينهما.

والامام علي عليه السلام هو الذي علم أبا الاسود الدوئلي النحو والصرف, وقال له: أنحو هكذا. والامام علي عليه السلام هو الذي تعهد بتفسير القرآن بعد رسول لله “ص” وعنه أخذ عبد لله بن عباس الذي عرف بحبر الأمة, وكان يقول ما آية

نزلت في سهل أو في جبل في ليل أو نهار, وفي سلم أو حرب, الا وعندي علمها, وكان يقول: من لا يعرف: المحكم والمتشابه, والعام والخاص, والناسخ والمنسوخ, وأسباب النزول , لا يجوز له أن يفسر القرآن.

وهو من عني بشرح المصطلحات لم يسبقه اليها أحد , فهو عليه السلام من عرف الاسلام, حيث قال: الاسلام هو التسليم, والتسليم هو اليقين, واليقين هو الاداء, والاداء هو العمل الصالح, والعمل الصالح يرفعه الله تعالى اليه, وعرف العقل: فقال: هو وضع الشيء في محله, وعرف الزهد, والورع, والتقوى, والجهاد حيث قال عنه: هو باب من أبواب الجنة, وعرف العدل, والعفو, والجود.

والامام علي عليه السلام هو من ذم اختلاف العلماء في الفتيا, وهو من بين أنواع الرواة للرواية وقسمهم الى أربعة: صادق, وكاذب, وجاهل, ومنافق, وهو عليه السلام من اغتالته الرواية بأقسامها الثلاثة: الكاذبة, والمنافقة, والجاهلة, وقد كثر هذا النوع من الروايات عندما بدأ تسجيل السير عام 92 هجرية وهو زمان حكم بني أمية الذين حولوا الحكم الى سلطة زمنية وملك عضوض , فتحولت الرواية على أيديهم الى كل ما يغمط حق ومنزلة علي بن أبي طالب وأبنائه وأحفاده من أئمة أهل البيت, حيث تم التغاضي عن مفهوم الاصطفاء, والذرية المصطفاة, والمفهوم الصحيح لأولي الامر, والراسخين في العلم, وأهل الذكر, وتحول مفهوم السلطة والحكم الى مفهوم مادي زمني لا يختلف عن المفهوم الوضعي للحكم, حتى أصبح كل من يصل للسلطة والحكم هو ولي أمر مطاع مهما عمل وارتكب حتى يظهر الكفر البواح ؟

وهذا الفهم هو الذي اغتال الامام علي عليه السلام الذي أصبح بسبب ذلك منسيا عند السواد الاعظم من المسلمين , فلم يكن عبد الرحمن بن ملجم صاحب السيف المسموم الذي ضرب به عليا وهو ساجد يصلي في ليالي شهر رمضان وفي التاسع عشر منه في مسجد الكوفة بتحريض من قطام الخارجية.

وأن الفتن التي تعصف بالمسلمين اليوم وفي مقدمتها فتنة التكفير الارهابي الوهابي الذي نما وترعرع في ظل الرواية الاموية التي أصبحت امتدادا للرواية العباسية التي استهوت السلطة الزمنية على حساب الحق الذي كان نصيبا لعلي وأهل بيته الاطهار بنص قرآني صريح تم الاعراض عنه والعمل بالرواية الفاسدة.

وهكذا يبقى الامام علي عليه السلام يحمل نفحة الاصطفاء بالحق للأئمة الذين يهدون بأمر الله , فلا عجب أن حمل روح العظمة التي جعلته فارسا تهابه الفرسان, وعقلا يهيمن على العقول , وعبدا لله عرف حق العبودية في دعاء الصباح , ومتكلما بليغا في خطبة الشقشقية , والاشباح , والغراء , وحديث الملاحم الذي لم يسبقه اليه أحد بعد رسول الله “ص” .

هذا هو الامام علي بن أبي طالب الرباني الذي يحدث أهل بيته بعد ضربته بالسيف المسموم , وكأنه ذاك الخطيب الذي لم يحلو الكلام الا له , ولم تستطب البلاغة الا منه , ولم يستو العلم والفهم والحلم الا عنده وذلك عندما قال : كم اطردت الايام أبحث عن مكنون هذا الامر حتى أبى الله الا اخفائه , هيهات سر مكنون, أما وصيتي لكم فكتاب الله لا تتركوه وراء ظهوركم وسنة رسول الله عضوا عليها بنواجذكم ” …

أجل هل رأيتم أم سمعتم رجلا يضرب بسيف مسموم تصل الضربة الى أم رأسه , ثم يظل يتحدث بهذه اللغة , أنه عالم ملكوتي ذلك هو عالم الرجال الذين حلقوا في ملكوت السلوك الملائكي , وهذا هو سر الامام علي , أنه سر الرضا الالهي في أن يكون وصيا للنبوة الخاتمة , وعندما يتحقق ذلك يزول العجب من كرامات الصفوة المختارة.

التعليقات معطلة