حدثني من اثق به : يقول جاءته موظفة ترجو منه ان يعرفها على حزب لترتبط به لان كل الموظفين والموظفات يرتبطون بأحزاب لحماية أنفسهم ؟ وهذه الحالة : تعني ان تفشي الارتباط الحزبي بين الموظفين في الدولة يعبر عن سلوك مرضي تمارسه احزاب السلطة, وهذا السلوك هو الذي يؤدي الى ضعف الدولة وتفكك المجتمع هذا اولا .
وثانيا : تعني ان الحاجة للارتباط الحزبي تسبق مفهوم الانتماء الحزبي , مما يلغي مبدئية العمل الحزبي ويحوله الى عمل نفعي مصلحي اناني ومن هنا يكمن سبب انكماش الاحزاب الكبيرة وترهلها , ولنفس السبب نعرف لماذا تكثر الاحزاب المجهرية المفتعلة نتيجة ولاءات مبتذلة سنرى صورا منه في هذا الاستعراض الذي نرجو ان يكون تحذيرا لما نحن فيه من انحدار قيمي وتهافت سلوكي يشكل عقبة في وجه مشاريع الاصلاح التي لابد منها في الدولة والمجتمع , والتي عجزت عنها احزاب السلطة مثلما عجز عنها من دخل في الحكومة وأصبح من اهل القرار بدون مؤهلات حقيقية .
وفي هذا المناخ المشحون بالتنافس الحزبي للظفر بمنافع السلطة ظهرت الاحزاب المجهرية التي تفتح شهية المخابرات الاجنبية للعمل على اصطياد طرائدها بسهولة, اصبحت اعداد اسماء الاحزاب المجهرية اكثر عددا من الاحزاب الكبيرة التي قلنا انها منكمشة ومترهلة وهي ترى بالعين المجردة ويمكن الحكم لها او عليها , اما الاحزاب المجهرية فهي لا ترى بالعين المجردة لانك لا تسمع باسمائها الا في مناسبات خاصة , ولا ترى الا بوابات مكاتبها التي لا يزورها الا من انتفع منها , او ممن اصبح عضوا قياديا فيها بدون وجود قيادة حقيقية , وهذه عدوى أسست الاحزاب الكبيرة التي هجرتها قياداتها التاريخية , وتخلت عنها كوادرها الاصيلة , فللتعويض عن تلك الخسارات راحت توزع العناوين القيادية بإسراف واضح المعالم , حتى اصبحنا نسمع بكثرة كاثرة من القيادات دون وجود قواعد شعبية حقيقية , بحيث تحولت الاحزاب الى عناوين قيادية تتنافس على الظهور الاعلامي في وسط اعلامي قليل الخبرة بالعمل السياسي ومعدوم الخبرة بالعمل التنظيمي الحزبي , فراح يقدم اسماء وعناوين بلا مضامين مما انعكس على ثقافة الدولة والمجتمع بمزيد من التراجع وفقدان الخصوبة الثقافية حتى اصبح ينطبق علينا قول الشاعر :-
بليت بأعور فازداد همي … فكيف اذا بليت بأعورين ؟ فقد قام مقاول حديث النعمة لا يعرف من التنظيم والاحزاب والسياسة الا أسمائها , قام هذا بعمل وليمة ذبح فيه ” 400 ” خروفا لتأسيس حزب جديد بعد ان راى خواء اعضاء الاحزاب من حوله والذين بسبب خوائهم تسلق ذلك المقاول وحصل على مقاولات كثيرة ومال وفير وموظفين واجراء يخدمونه بتطفل وابتذال جعله يتصور نفسه رقما وهو ليس كذلك .
وقبل ذلك قام مقاول استفاد من وجود الاحتلال الامريكي بتاسيس حزب لم يتعد من يعمل في مكاتبه موظفا نتيجة الحاجة , وظل يراوح مستفيدا من اجواء الانتخابات غير المنضبطة بتنظيم العمل الحزبي بقانون الاحزاب الذي لم يظهر للوجود لانه يفضح تمويل من يعتمد تمويله على الجهات الاجنبية , وظهر حزب مجهري اخر وفتح له مكاتب في اغلب المحافظات مستغلا حاجة بعض الشباب للعمل والوظيفة نتيجة عدم اهتمام الدولة بايجاد فرص عمل للشباب , وعدم توجهها للمشاريع التنموية , وعدم التوجه هذا هو الذي فتح المجال امام الاحزاب المجهرية ومن يقف ورائها من المحرومين من الجاه مما يجعلهم يبحثون عن طرق ملتوية يكثر فيه الابتذال على كل المستويات .
وفي الآونة الاخيرة ظهرت اسماء وعناوين لأحزاب مجهرية مستغلة وجود الاختراقات الامنية , مع ضعف حكومي له اسباب كثيرة , واغلب هذه الاحزاب المجهرية تقف وراءها اجندات اجنبية , لان الذين يمثلونها غير معروفين وليسوا من اصحاب السابقة في العمل السياسي او ممن كانوا هامشيين في علاقات حزبية هي الاخرى تعاني من الضمور والانكماش مع سيطرة دكتاتورية لبعض الاسماء والعوائل عليها .
ان شراهة العمل الحزبي غير المنضبط وغير الملتزم بقانون تنظيم الاحزاب , والذي عملت بعض احزاب السلطة على عدم ظهوره للتطبيق مما جعل الانتهازية صفة ملازمة للعمل الحزبي في هذا المقطع التاريخي الذي لم يعد للامة وشعوب المنطقة وزنا سياسيا يعيد حسابات اصحاب اللعبة الدولية الذين وجدوا في هذا الفراغ فرصة لاعادة هيمنتهم بوسائل وأساليب جديدة كان ابرزها ما سمي بالربيع العربي وهي تسمية مضللة ,التي فسحت المجال للتنفيس عن احتقانات وعقد نفسية وتشوهات عقائدية مثلها تنظيم القاعدة الوهابي التكفيري الارهابي الذي اصبح حصان طروادة لاتباع المحور التوراتي الذين يحرصون على منافع الطاقة عصب الحضارة وتقنيتها المعاصرة , مثلما يحرصون بطريقة نفاقية على حماية الامن الاسرائيلي .
والأحزاب المجهرية لا تمتلك قدرة وكفاءة مواجهة ذلك المخطط التوراتي حتى وان ظهرت عدائها له , ولكنها تظل تخدمه من حيث لا تدري ,لان محدوديتها وفقرها المعرفي لا يؤهلها لمواجهة المشاريع الكبرى في المنطقة مما يجعلها فريسة سهلة في كل الحالات , لذلك فان اختفاء ظاهرة الاحزاب المجهرية واعادة النظر بها لا يتحقق الا بعد ان يتم مراجعة تكوين وطريقة عمل الاحزاب الكبيرة التي وصلت الى حد الشيخوخة والهرم ولكن القائمين عليها لا يعترفون بذلك لانهم هم المستفيدون دون غيرهم منها , ان الاحزاب الكبيرة اصبحت اصناما تعبد , والاحزاب المجهرية في طريقه لاستنساخ نفس المرض الحزبي , ان لم تكن هي وليدة ذلك المرض الحزبي .
ان الحوارات التي تدور اليوم , والتساؤلات التي تطرح ولا تجد لها اجوبة نتيجة هالة الخوف الذي تختزنه الشخصية العراقية عبر تاريخ طويل من الكبت والمعاناة , والمقاربات التي تطغى عليها روح المجاملة والمداهنة , والتحريض الذي تمارسه بعض الفضائيات , والطائفية التي يتذرع بها البعض ليستظل بظلها كلها مشاريع متهرئة لا تبني وطنا ولا تنعش امة , ولا تبعث حياة جديدة تعرف بوصلة العلاقة بين الارض والسماء , تلك العلاقة التي تمثل حتمية نهائية ودائمة , ومن يعرف هذه الحتمية يعرف خلاص العراق والمنطقة والعالم .

التعليقات معطلة
