Pdf copy 1

“ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ” – قرآن كريم –
” نحن بما عندنا وأنت بما … عندك راض والرأي مختلف ” ابن الانباري – كثير من السياسيين العراقيين اليوم لا يعرفون معنى الخلاف والاختلاف سياسيا , وما هي حدود ذلك ؟ فالاختلاف شيء , والخلاف شيء آخر من حيث الاصطلاح , وسأبين ذلك :-
الاختلاف ظاهرة تقع في الحياة اليومية بين الناس ولاسيما بين افراد الاسرة الواحدة , وبين الأصدقاء , وهذا الامر مسموح به من حيث تباين وجهات النظر في مسائل الحياة , من طعام وشراب , ولباس , وفي مختلف شؤون الحياة , ولذلك تجد الأفراد مهما كانت وشائج القربى والنسب بينهم الا ان لكل واحد منهم رغباته وميوله وقناعاته التي لا تخرجه عن صاحبه وأهل بيته, ومجموعته التي ينتمي اليها عن سياق الموقف الموحد في القضايا الكبيرة والتي نسميها سياسيا ” الاستراتيجية ” والتي تختلف عن ” التكتيك ” وهي المسائل الجزئية والتفاصيل التي لا تخرج الأفراد والجماعات والأحزاب عن نطاق الوحدة العائلية مثلا او الاجتماعية او الوطنية .
فالخلاف يقع في المسائل الفكرية التي تشتغل عليها العقول, وهي التي تؤدي الى الانقسامات بين الدول ,والانشقاقات في الحزب الواحد, والفرقة بين الافراد, وهذا النوع من الخلاف خطير, ويلعب فيه الهوى والرغبات التي لا تنطلق من قواسم مشتركة في الأهداف التي توحدها الأغراض ذات الطابع الأخلاقي والإنساني الحضاري والتي تتصف: بالعلم, والفهم, والحلم , والحكمة ” قال تعالى:” وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ” ومن هنا قال رسول الله “ص” :اذا اجتمع خمسة وعشرون نفر منكم ولم يؤمروا من هو أعلمهم فعملهم باطل”؟
ومن هذه الروح المشبعة بالعلم والفهم والحلم والحكمة لا يختلف الانبياء في ما بينهم حتى لو وجدوا في زمان ومكان واحد مثلا , ومن الأمثلة على ذلك : ” النبي إبراهيم والنبي لوط ” حيث عاشوا في زمان متقارب , والنبي موسى, والنبي شعيب، والنبي موسى والخضر ” العبد الصالح ” الذي اتاه الله من لدنه علما , فأصبح موسى في لقائه معه تلميذا يتعلم منه وهو كليم الرحمن .
والأنبياء يمتازون بهذه الخصائص من التوحد فيما بينهم لأنهم أزالوا من أنفسهم: الأنانية, والحسد, والغيرة, والكبر..
وهذه الصفات لم يتعلم منها الذين يشتغلون في السياسة, ولا الذين يشتغلون في مسائل الاجتماع والتربية, ولذلك نجد عوامل الفرقة والتشرذم هي الصفة الغالبة على أهل السياسة, وأهل التربية, وأصحاب المهن, وبين الجيران والأصدقاء, وحتى بين افراد العائلة الواحدة .
وللرجوع الى عنوان ما أردت الحديث عنه لأجعل منه مثالا يختصر ما نحن فيه من حراك سياسي ملتهب, ومن سياق مهني مسعور وفاقد الثقة بالآخر, ومن سجال دولي تغذيه النعرات وتطفو على سطحه العداوات والانقسامات الحادة التي تدفع الى الحروب .
فانا مثلا : اختلف مع المالكي رئيس مجلس وزراء العراق في مسائل كثيرة منها:-
1-اختلف مع المالكي في طريقة إدارة وتنظيم حزب الدعوة الإسلامية
2- واختلف مع المالكي في طريقة الترشيح في الانتخابات
3- واختلف مع المالكي في من هم حوله من الحواشي والمقربين .
4- واختلف مع المالكي في طريقة اختيار مستشاريه .
5- واختلف مع المالكي في طريقة إدارة الإسناد العشائري .
6- واختلف مع المالكي في طريقة إدارة المصالحة الوطنية .
7- واختلف مع المالكي في طريقة تعامله مع الكتل والفرقاء السياسيين .
8- واختلف مع المالكي في إدارته للملف الأمني .
9- واختلف مع المالكي في طريقة تعامله مع المزورين والفاسدين .
10- واختلف مع المالكي في موضوع البطاقة التموينية , وفي موضوع إدارة ملف الكهرباء والخدمات .
11- واختلف مع المالكي في موضوع إدارة العلاقة مع دول الجوار .
فانا الذي اختلف مع المالكي في كل هذه المسائل الكبيرة والحساسة وطنيا, الا انني لا اختلف مع المالكي في مسائل العقيدة، نحن كل واحد متوحد في هذا المجال, ولذلك يمكننا ان نحافظ على قدر من التفاهم والاتزان, وتغليب المصلحة الوطنية على الجوانب الجزئية, ولا نسمح للعواطف ان تعلو على ملاك العقول.
وبتفصيل أكثر : انا أرى المالكي من خلال العمل صاحب أخطاء, وأتفهم هذه الظاهرة بمفهوم ” من لا يعمل لا يخطأ “
وكما قال الشاعر :-
عبادك يخطئون وأنت رب … كريم لا يجوز له الذموم
ورغم تشخيصي لأخطاء المالكي التي أرى بإمكان إصلاحها فهي مثلا ليست كأخطاء العملاء, فالمالكي ليس عميلا, وهي ليست كأخطاء الدكتاتوريين , فالمالكي ليس دكتاتورا , وأنا اعرفه عن قرب فهو رجل بسيط ومتواضع ومتدين صادق في تدينه, ولكنه تحمل وزرا كبيرا في الحكم مع فرقاء من خلفيات شتى لا تجتمع بسهولة, وما يفرقها اكثر مما يجمعها, مع دستور خط بطريقة تساعد على التباين والافتراق في الفهم, ومجالس محافظات لم تلتئم على محور يفرق بين ما هو خدمي وما هو سياسي من حيث الصلاحيات الحصرية وغير الحصرية للسلطة الاتحادية .
والمالكي ليس خائنا, والذين يصفونه بذلك يقعون في أخطاء مركبة: منها انهم لا يعرفون معنى الخيانية في اطارها القانوني ولا يعرفون معنى الخيانة في اطارها الاخلاقي والوطني .وعليه فمن هو ليس خائنا, ولا عميلا, ولا دكتاتورا, فانا لا اختلف معه فكريا ,ولكني اختلف معه في الرؤى والتفاصيل التي تقع في اطار خطوات الترجمة العملية للمواقف الاجرائية وتفاصيلها العملية فيما يتعلق بأولويات وتراتبيات التقييم المؤسساتي الذي يفرق ما بين الجودة في العمل وغير الجودة وهو سلم تفاضلي قيمي, وليس سلما عقائديا. وهذه الطريقة من التفكير تجنبنا الكثير من المطبات التي وقعنا فيها منذ 2003 والى اليوم, فللتخلص من التمحل الذي نحن فيه في معترك العمل السياسي في إطار الحكومة والبرلمان ومجالس المحافظات, وما يرافق ذلك من نشاطات كانت التظاهرات محطة فارقة فيها لها مالها وعليها ما عليها والتي أخذت منا إعلاميا وأخذتنا سياسيا الى نتائج غير مسيطر عليها ومن هنا رأيت من الضرورة ان اطرح هذا العنوان الذي يمثل اشكالية معرفية وسياسية لاجعله مقاربة تتذلل أمامها طريقة الولوج الى قضايانا الحساسة ومنها التي يتناولها حوار الدكتور محمود المشهداني رئيس البرلمان العراقي الأسبق مع مختلف الافرقاء من وجوه المجتمع العراقي, والذي اعرف إخلاصه ووطنيته مثلما اعرف إخلاص المالكي ووطنيته, وهذا المستوى من الفهم هو عربون التلاحم الوطني الذي لا يفرقه مفرق مهما تباينت الآراء وكثرت الاجتهادات, حيث تبقى لدينا فسحة من الثقة المتبادلة مما تجعلنا لا نظلم بعضنا بعضا, كما يحدث للكثيرين باسم السياسة التي لم يعرفوا سرها, ولم يخبروا محتواها الذي وضعت خميرته عندما أحكمت حتمية العلاقة بين الأرض والسماء .

التعليقات معطلة