Pdf copy 1

قبل خمسين عاما لا أكثر كان دخول التلفاز البيت العراقي بمثابة حدث عجيب ,يتداعى الناس للوقوف أمامه ومشاهدته ,وكان البيت الذي يقتنيه يحتشد في المساء بالأهل والمعارف والجيران مع أطفالهم وصخبهم ..ولم تكن العائلة لتتضايق من تلك الحشود المتقاطرة عليها وقد يرون فيها عيدا يوميا ..
يتذكر البعض تلك الأيام بحسرة ويحنون لأوقاتها الطيبة حيت تدعي تلك المرأة ان تلفزيون أقاربها أفضل وأحسن ويعرض الأغاني والتمثيليات ,ظنا منها ومن غيرها ان لكل جهاز برامجه وليس هناك بث مركزي ..
ويتذكرون ان بعض نساء ذلك الزمان كن يحافظن على متطلبات الحشمة وارتداء العباءة أمام المذيع وأمام الرجال الذين يظهرون على الشاشة …كن بسيطات التفكير ولا يستوعبن منجزات العلم والتكنولوجيا …
الأهم في حاضرنا ان التجمع اليومي آنذاك كان يخلو من التقسيمات الطائفية ,وما كان احد ليلتفت الى طائفة معارفه وجيرانه .. ويعود ناس ذلك الزمان بحنين لألفة وطيبة وأوقات الماضي …فما الذي ستتذكره أجيال اليوم في قابل الوقت وعندما سيثب الإنتاج العلمي وتحدث الثورات ويغدو عصر التواصل مجرد صورة بسيطة بساطة ثورة التلفزيون في وقتها …ماذا سيتذكرون من وجوه الطيبة والتواصل والحنين ؟وما الذي سيبدو بنظر القادمين من ذكاء الحاضر؟؟ يتذكرون رفض ترشيح اللواطين والشاذين واللصوص وأرباب السوابق والقتلة للمجلس النيابي …وسيقودهم ذكاؤهم للسؤال عما شجع الموبوئين للتطلع لتمثيل الشعب ؟؟ وهل سيعثرون بعد نصف قرن على أمة طيبة ومودة وتفاؤل وحسن ظن بأجدادهم ؟؟؟
في عصر القرية الكونية وتواصل الناس عبر أقاصي الأرض, وبساطة ومجانية اتصال الابنة في الدانمارك بأمها في بغداد ,وعبر الشاشة , عن كمية الملح لقدر الطعام فان العائلة العراقية قد تمزقت طائفيا وأخلاقيا وطبقيا …وصارت تستعيد ما سمعته من حكايات البساطة والطيبة وما عاشته في الوقت الجميل وقت أعجوبة التلفزيون …
في المستقبل وعندما يتحول المنجز العلمي والتكنولوجي الى شيء باهت ومحدود الذكاء وينظرون الى وقتنا نظرتنا لدخول التلفزيون فان ما سيثير امتعاض وقرف الأحفاد وأجيال المستقبل هو حجم البلادة ومناسيب الكراهية بأجدادهم الذين أضاعوا أجمل واكبر الفرص وكل نعمة الله التي خصهم بها فانصرفوا لابتكار الخراب والشر والتشظي …وانتقلوا بالعراق من عائلته المحتشدة أمام التلفزيون الى تفتت العائلة الكبرى وتناثرها في أصقاع الأرض بلا ذكريات غير التي خلفتها الطائفية وتجارها .

التعليقات معطلة