لا جديد في الموضوع، فكل القصة وما فيها أننا أضعنا أهم الوظائف الشاغرة في محكمة العدل الدولية لقانون البحار، والتي كان من المؤمل أن يشغلها باستحقاق الأستاذ (علي عباس خيون) باعتباره العربي الوحيد الذي يحمل المؤهلات التشريعية والملاحية والمينائية العالية.
ويعزا سبب هذا الضياع إلى بطء إجراءاتنا الإدارية السلحفاتية، فقد أرسلت المحكمة الدولية خطابها صباح السادس عشر من حزيران، واستلمته سفارتنا في برلين يوم الرابع عشر من تموز، ووصل إلى بغداد في الخامس والعشرين من آب، وحط رحاله في الموانئ العراقية صباح يوم الثامن والعشرين من آب، وهو اليوم المقرر لغلق أبواب الترشيح للمحكمة الدولية بموجب الموعد المثبت في كتابها الذي يحمل الرقم (VA/004/2014).
من نافلة القول نذكر أن (علي عباس خيون الناصري) تلقى تعليمه الجامعي الأولي على يد الأستاذ الدكتور هاشم الجزائري، الذي يعد من أفضل أساتذة القانون البحري في جامعة البصرة، وبدأ مشواره العلمي بشهادتين جامعيتين من الجامعة نفسها. كانت الأولى بكالوريوس القانون (1996)، والثانية بكالوريوس اللغة الانجليزية (2003)، ثم التحق عام (2006) بمعهد القضاء البحري العالي في جزيرة مالطا، وهو من أعلى المعاهد البحرية، التي تديرها وتشرف عليها المنظمة البحرية العالمية، فكان العراقي الأول والوحيد الذي اشترك في برامج هذا المعهد القضائي العالي.
واصل (علي) مشواره العلمي عام (2011) في الولايات المتحدة، فحصل على القبول في برنامج (همفري)، وهو من برامج التبادل التعليمي الأمريكي، المعروفة باسم (الفولبرايت)، التي تعد من أعقد وأصعب البرامج العلمية من حيث المدة والمواد الدراسية والتكاليف.
يخضع المتنافسون في هذا البرنامج لأطول وأصعب الاختبارات، التي قد تمتد لعام كامل. لكنه تجاوز العقبات كلها، وتم قبوله عن جدارة واستحقاق، فكان أول العراقيين المقبولين في البرنامج.
قال له رئيس اللجنة العليا بعد اطلاعه على أوراقه: أنك من المؤهلين تلقائيا، ولا تحتاج لهذا البرنامج، فرد عليه (علي): كلا يا سيدي أنا في أمس الحاجة لدراسة التعاقدات الدولية، التي سأحمي بها بلدي عندما تسنح لي الظروف لخوض نزالات التفاوض مع الأطراف الخارجية، وهكذا قبلوا (علي) من بين (2500) مرشح من مختلف دول العالم.كانت محطته الأولى في جامعة (فرجينيا)، فانتهزت الجامعة وجوده هناك، وطلبت منه إلقاء محاضرة عن القوانين القديمة، التي شرعها العراق في وادي الميزوبوتاميا باعتباره الحاضنة الكونية لكل الحضارات الإنسانية. ثم ألقى محاضرة أخرى في الجامعة نفسها عن الدور الريادي للموانئ العراقية في تعزيز قوة الاقتصاد الوطني، وأنجز أفضل أبحاثه في فرجينيا، وكان بعنوان: (التواصل – مفتاح القيادة الناجحة).
تخرج (علي) في فرجينيا بتفوق. ثم باشر بخطوته التالية في برنامج (همفري)، فكانت كلية (واشنطن) للقانون هي المحطة الثانية، التي حط رحاله في رحابها، وكانت محاضرته القانونية، في هذه الجامعة العريقة، عن التجاوزات الحدودية في مياهنا الإقليمية العراقية. ثم تناول موضوع (ميناء مبارك) في ثلاث محاضرات منفصلة. كانت بعنوان (مشكلة ميناء مبارك الكبير)، ومحاضرات أخرى عن تشريعات الإرشاد البحري في الموانئ العراقية، وأخرى عن سندات الشحن. جمعها كلها في بحث قانوني واحد تقدم به إلى عمادة الكلية كجزء من متطلبات درجة الماجستير، وهي الماجستير الثانية التي حصل عليها حتى الآن.
شاءت الأقدار أن تختاره الولايات المتحدة ضمن الفريق القانوني الدولي المؤلف من ستة قانونيين للإشراف على سير انتخابات الرئاسة الأمريكية يوم 6/11/2012، وكان الفريق برئاسة البروفسور (باستوري)، المستشار القانوني للرئيس الأمريكي الأسبق (كارتر)، وهكذا أصبح (علي) من بين المشرفين على وقائع الانتخابات في واشنطن، وفرجينيا، وميرلاند.
http://www.wcl.american.edu/news/humphreyelectiontrip2012.cfm
وسعيا منه وراء نيل المهارات الحقلية. عمل في وزارة النقل الأمريكية الاتحادية لمدة ثلاثة أشهر. قدم خلالها دراسة مقارنة بين لوائح الإرشاد البحري في العراق ولوائح الإرشاد الأمريكية، ثم عمل مؤقتا في مكاتب شركة (بلسبري)، وهي من كبريات الشركات القانونية.
زار المحاكم الأمريكية، وأطلع على سياقات عملها. ثم زار الجناح القانوني في مكتبة الكونغرس الأمريكي، وقام بزيارات متواصلة لبرلمان ولاية (ميرلاند)، فحضر بعض جلساته، ثم اشترك في ورشة العمل الخاصة بالاستثمار في العراق برعاية السفارة العراقية في واشنطن.
أما شهادته التي وقعها الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) فكانت من برنامج (همفري) بتاريخ 6/5/2013، وتجدر الإشارة هنا أنه حصل على الماجستير أيضاً في قانون الأعمال التجارية الدولية بتاريخ 13/8/2013 متفوقا على زملائه الذين جاءوا إلى أمريكا من مختلف بلدان العالم، والذين وفرت لهم بلدانهم الدعم المادي والمعنوي، ومنحتهم حرية تمديد الوقت. بينما انحصرت مدة (علي) بعام واحد، وبإجازة سنوية من دون راتب.
حصل (علي) أيضاً على درجة الماجستير (العامة) في الدراسات القانونية الدولية. وحصل على شهادة تخصصية في اللغة القانونية الانجليزية من جامعة واشنطن، وشهادة البرنامج التأهيلي الخاص في اللغة والمهارات القيادية من جامعة فرجينيا.
هذا هو ملخص حكاية زميلنا البصراوي الذي لم يلتفت إليه أحد، والذي سيلتحق قريباً بركب المهمشين من أصحاب الكفاءات العليا.
ألا يستحق هذا الشاب اللطيف أن يكون مرشحنا لوزارة العدل، أو مرشحنا للأمم المتحدة. ولكن هيهات فالشعب يريد والحكومة لا تريد. ويعزا السبب لتأخر ساعي البريد.

التعليقات معطلة
