Pdf copy 1

أحمد شهاب
يؤدي التوجيه الديني دوراً رئيساً في المجتمعات الإسلامية، ويتلقى الجمهور المسلم المادة الثقافية المرسلة من المنابر والكراسات الدينية بالكثير من الاهتمام وربما التقديس.
في الغالب يركز الخطاب الديني على القضايا الأخلاقية والعقائدية، ويوجه الناس لفعل الخير، وبما يضمن حصولهم على السعادة في الدارين، ولكن هذا النزوع إلى السلام يصاب بالدوار حين يستخدم الدين في النزال السياسي ضد الخصوم، فالبحث العقائدي والتاريخي لا يكاد يبرح صفحات الفتنة، ويوفر التراث أمثلة لا تعد ولا تحصى من حفلات تصفية المخالفين الدموية، كما تبارك الثقافة المسندة بالفتوى الشرعية القضاء على الكفار والمنحرفين والعاصين سياسياً بكل الوسائل المتاحة.
وبمقاربة معرفية لجل ما ينتجه مشايخ الجوامع والفضائيات، نلاحظ أن ثمة تأميناً فقهياً لممارسة العنف، وتبريراً لثقافة الكراهية وبثها في كل أرجاء الوطن. والعنف اللفظي الذي تبثه منابر الخطابة يعد الإطلالة الأولى للعنف السلوكي، والذي يظهر تالياً في أنشطة فردية أو جماعية، وإذا عرفنا أن المنبر الديني في الغالب يتعلق بفكر يأبى إلا التحليق في أزمنة أخرى، فإن التاريخ بالنسبة إلى التوجهات المتشددة سيوفر تالياً غطاءً أخلاقياً للجرائم التي ترتكب باسم الدين.
على امتداد عشرات الأعوام، لم يكف الكثير من الدعاة عن ترديد المقولات الانتقامية نفسها، ولم يتوقفوا عن تعميق الأحقاد والضغائن، ولم يملَّوا من قراءة التاريخ والأحداث وفق منظور مغرق في التبسيط، لكنه ممتلئ بالكراهية. فهذا الفكر المتشدد والحربي ليس طارئاً على العالم الإسلامي، بل هو صورة مطورة من مدارس دينية أباحت لأمرائها الحق في تصنيف وتقسيم الناس، وفقاً للذوق الشخصي، الذي ينتهي غالباً بتكفير من يخالفهم، والتي منحت أتباعها سلطة تطبيق الحدود الشرعية، وشجعتهم على ملاحقة الناس بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى رغم أن الشريعة تؤخذ اليوم من معاهد ومدارس متخصصة، ووفق برامج ومواد علمية معدة سلفاً، إلا أن القراءة الآيديولوجية للدين عجزت عن إحداث نقلة معرفية في التعاطي مع النصوص، فالروايات تؤخذ وتطبق في الغالب حرفياً، ولا نجد ثمة تطوراً في قراءة الظروف التي تحيط بالنصوص والمواقف، ولا نجد أثراً لأي جهد يبذل في ربطها بالمبادئ العامة للشريعة، فالفكر السياسي على سبيل المثال يفتقر إلى أي انضباط منهجي عند اتخاذ المواقف، فالغالب على إنتاج الإسلاميين في هذا الحقل الإنتاجُ العاطفي وليس العلمي، المتأثر بالمنقول من التراث، وإن كان مخالفاً للمعقول ومبايناً للحاجات المعاصرة.
يمكن التعرف على حجم المشكلة بصورة أكبر عند تفحص مصادر التوجيه الديني والأخلاقي لعموم المسلمين، والتي تتمثل في المناهج التعليمية والتربوية، والتوجيه الديني عبر المساجد ودُور العبادة، وحديثاً في وسائل الإعلام والفضائيات ومواقع الإنترنت، والتي تصب بشكل أساسي في تكريس ثقافة الانزواء والعزلة، واستحضار التاريخ ليس من جانبه التوعوي والتحريضي للعلم والاستكشاف وأخذ العبرة، وإنما من جانبه الخلافي والجدلي، إذ تفقد التعاليم الدينية في هذا المأزق التاريخي جنبتها التربوية والأخلاقية، وتتحول إلى مادة قابلة للانفجار في أية لحظة.
لقد تعارف الخطباء وأئمة الجماعة -على سبيل المثال- في معظم الدول الإسلامية، ومن فوق منابر رسمية ترعاها الدولة، وتنقلها الفضائيات الرسمية، أن ينهوا خطبهم الدينية بالدعاء الآتي: «اللهم أهلك اليهود والنصارى والمشركين والروافض والعلمانيين ومن والاهم، ومن ناصرهم، ومن عاونهم، اللهم أبلهم بمرض ليس له شفاء، وبداء ليس له دواء، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وبأسك، اللهم مزقهم كل ممزق، اللهم يتِّم أبناءهم ورمِّل نساءهم ودمِّرهم تدميراً».
إن هذا الدعاء المكتنز بالمضامين العدائية والحاقدة على كل المختلفين مع ما يعتقده إمام الجماعة أو خطيب المنبر، والذي يبيح له أن يطالب المصلين خلفه بالتأمين على دعائه بهلاك وتمزق وتشتت الآخرين؛ لأنهم اقترفوا ذنب الاختلاف الديني أو المذهبي أو الفكري معه، إنما يسن في الحقيقة السكين التي يحز بها المتشددون والتكفيريون رقابَ أولئك المختلفين قربةً لله تعالى، فإجرام الكلمة هو المكون الأساسي لعصابات التطرف المنتشرة في الأرض.
طبقاً لهذا، لم يتردد داعية كويتي شهير – بارك عمليات النحر في الشام، وطالب المقاتلين هناك بتوفير عشرة أشخاص ليتلذذ هو بنحرهم بيده الآثمة- من إطلاق حملة تحذيرية ضد تنظيم داعش، بادعاء أنهم متشددون يمارسون القتل ويهددون بتنفيذ عمليات إرهابية في معظم الدول الإسلامية، في أغرب حالات الانفصام الديني والأخلافي، إذ لم يرف جفن لهذا الداعية، وللعشرات من مشايخ الصحوة في الخليج والوطن العربي وهم يتابعون حز الرؤوس من الصحوات في الشام والعراق، وشجعوا أتباعهم على قتل نظرائهم في الوطن بحجة الجهاد في سبيل الله.من السذاجة البالغة التمييز كثيراً بين المتطرفين، أو تصديق مشايخ التشدد الديني في إدانة ممارسات «داعش» أو «القاعدة». إن تصديق المتطرفين في تصريحاتهم ضد المتطرفين، إنما هو من أنواع التغافل عن الأرضية المشتركة التي أفرزت هذه التنظيمات العنفية، فالأول الذي يدين إرهاب «داعش» هو الذي هيأ الأرض والقوة للثاني، ولا شك أن «القاعدة» و«داعش» والخراساني مرحلة ستعيث في الأرض فساداً برهةً من الزمن وتنقضي، ولكن البيئة التي أنتجتهم لن تتوقف عن إنتاج أشباههم من الجماعات الشاذة والمنحرفة، التي تمارس الإرهاب باسم الإسلام، وتنحر الأبرياء تحت راية الدفاع عن التوحيد.
خلال الأشهر الماضية نشر تنظيم «داعش» العشرات من الحواجز على معظم مداخل الولايات التي تقع تحت نفوذه، والسؤال المعتاد للعابرين ينحصر في كشف الهوية الدينية والمذهبية، ثم التأكد من سلامة العقيدة، ومدى التزام الشخص بالفرائض والسنن النبوية، وأخيراً السؤال عن استعداده لمبايعة الخليفة البغدادي، وتتراوح عقوبة عدم تطابق إجابات المستجوبين مع عقيدة التنظيم بين النحر وهو الغالب، والتعزير بالقتل أو السلب أو قطع الأعضاء أو الجلد وإحداث عاهات دائمة بالمذنبين، حتى يتذكروا جرمهم ما بقوا على قيد الحياة.
هذا الفعل ليس شاذاً من اكتشافات «داعش» الفقهية أو اجتهادات زعيمها أبوبكر البغدادي، كما أنها ليست من إنتاج الجماعات المتطرفة فقط، وإنما يكاد يجد هذا الفعل وأشباهه شرعيته في العديد من الفتاوى الفقهية المتداولة بدرجات مختلفة. فمعضلة تنظيم داعش ليس في كونه تنظيماً إرهابياً يتجاوز عنف «القاعدة» وإرهابه فقط، وإنما المعضلة ترتكز في كونه يتحرك ضمن منظومة ثقافية تتحصن داخل العقيدة السائدة في المجتمعات الإسلامية، بما يثير مسألة غاية في الخطورة وهو أن الاختلاف بين الطرفين شكلاً وليس جوهراً. يستدعي ذلك القول أن الخروج من مأزق التطرف لن يتم إذا لم نتجرأ ونغيِّر المنظومة المعرفية التي تنتج التطرف، بما يتطلبه ذلك من إعادة قراءة الموروث الديني ونقده وتجريده من التفسيرات الشاذة، التي تتعارض كلياً مع الهدف من الأديان والرسالات السماوية والمكانة السامقة للإنسان فيها.
قد يرفض عموم المتدينين مفهوم النزعة الإنسانية في الدين، باعتبارها مجرد استيلاب لنزعات فلسفية غربية، غافلين عن أن الدين إنما جاء من أجل هذا الإنسان بوصفه أهم ما أوجده الله في العالم، بل خلق كل شيء تسخيراً له، وتكريماً لإنسانيته، وحرم الاعتداء عليه أو سلب حياته: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).
إن إلغاء البعد الإنساني في الدين، هو مسعى متشدد يحاول جاهداً أن يكتم على أنفاس النص الإسلامي؛ ليقلص مساحات الجمال والتسامح والمحبة، ويوسع قاعدة احتكار الحقيقة والجنة والفوز والنجاة في قالب مذهبي/عنصري، ولذا فإن ثقافة العنف المبثوثة في الخطاب الفقهي والفكري الإسلامي تتطلب مجهودات كبيرة؛ لكنسها من عقول المسلمين، عبر التوطين المنهجي والتاريخي للأبعاد الإيمانية الحقة الساعية لإنجاز نماء من دون عنف، وإصلاح من دون فساد، وعدالة من دون بغي، وهي التناقضات التي وقعت فيها التوجهات الإسلامية المتطرفة، فقلصت من إيمانها وأحيت جاهليتها.

التعليقات معطلة