Feature

أمينة خيري
فلتخرس الألسنة عن تلقيح الكلام على العرب، ولتصمت الأصوات الملوحة إلى جمود أصابنا، ولتتوقف كل المحاولات الخبيثة الرامية إلى وصم شعوبنا بانعدام الابتكار. فقد غيّرنا مواثيق الإعلام وعدّلنا أخلاقيات الشاشات وقلبنا محتوى الأخبار… وأجبرنا – ولا فخر- جهابذة الإعلام الغربي ومبتدعي مواثيق العمل الإعلامي ومحددي قواعد العرض على الشاشات أن ينسوا ما سطروه ويسمحوا بما لم يسمحوا به من قبل، فلو لم يفعلوا ذلك، لبقيت نشرات أخبارهم خاوية وبرامج حواراتهم مسطحة.
أغدقت السماء على العرب من أوسع الأبواب، وأكرمتهم كما لم تكرم غيرهم وأصبحوا يهيمنون على المحتوى الخبري. ولم يكتفوا بالهيمنة فقط، إذ أمعنوا في الابتكار وذلك لدرء الملل.
معروف أن الوتيرة الواحدة تصيب المشاهد بالسقم مهما كانت الوتيرة في أولها شيقة والنبرة في بدايتها جاذبة. فسرعان ما تملّهما النفس الباحثة دائماً عن الجديد وإن كان قاسياً والمثير وإن أصبح قاتلاً. فبعد أشهر طويلة من أخبار متناثرة من منطقتنا العربية المليئة بالاحتقانات عن رياح ربيعية غير متوقعة هبت على دول دون غيرها، هلل العالم، وتابع ما يحدث في الميادين وما تموج به التغريدات والتدوينات عبر كبسولات ظريفة لطيفة خفيفة تقدم له مساء.وفي اللحظة التي كادت تفقد فيها الشاشات الغربية متابعي الرياح الربيعية العربية، أتت المنطقة المبدعة بما يضمن انجذاب المشاهد الأجنبي إلى الشاشات لفترة إضافية. فقد بدأت الرياح الربيعية تكشف عن وجوهها الخريفية المتعددة وأذرعتها الثورية، وهو ما أضاف قليلاً من البهار وكثيراً من الغبار على ما بدا بالأمس القريب وكأنه حلم التغيير المنشود.
وعلى مدار العام ونصف العام الماضي، تفوق العرب على أنفسهم، فلم يرضوا بمجرد تربعهم على عرش الأخبار الأكثر متابعة، وقرروا أن يقوموا بنقلة نوعية وهيكلة كلية، حيث تحولت رياح التغيير نذير تفتيت، وتبدلت أحلام العدالة إلى كوابيس إلغاء للآخر، وانقلبت مطالب الشعوب من حرية وكرامة إنسانية إلى ظلامية ونهاية للبشرية.
وبعدما كانت شاشات الغرب تفرض قيوداً على مشاهد العنف، وتدقق في معايير على كم الدماء المعروضة عبر الشاشات، وتصرّ على وضع تحذيرات تنبيهية بعدم متابعة المحتوى المزمع عرضه لأصحاب القلوب الضعيفة أو الأعمار الصغيرة، اضطرت اضطراراً وأُجبرت إجباراً على تناسي بعض قواعدها. ولولا هذا التجاهل لوجدت نفسها عاجزة عن متابعة الأخبار وملاحقة الأحداث. فمن مباريات «رؤوس» قدم، إلى رياضة النيشان يمارسها صبية أبرياء على رؤوس «الكفار»، إلى قتل جماعي على الهواء مباشرة، أو تنفيذ حكم إعدام في امرأة بلغ مسامع بعضهم إنها سيئة السمعة أو رجل قيل إنه ضالع في بيع منتجات تتناقض وشريعة أولئك. لقد أثبتنا قدرتنا على عمل هزة عنيفة في العمل التلفزيوني في أرجاء المعمورة. لم يعودوا هم من يقرر ماذا يعرضون وكيف ومتى؟ فقد فرضنا عليهم سطوتنا وأعلنا الشاشات مناطق محررة من المواثيق حتى إشعار آخر.

التعليقات معطلة