الواجب يقضي زيارته وتقديم التهنئة وما يتيسر من هدايا بعد انتقاله الى سكن جديد ضمن حي الاكراد في مدينة الثورة، استقبلنا الرجل المعروف بكرمه وطيبة قلبه على افضل ما يكون الاستقبال، وما كدنا نجلس حتى نادى على ولده (بينه سي برداغي او) واثارت لهجته الكردية استغرابنا، ولم نعرف معنى الجملة الا بعد ان احضر ابنه (ثلاثة اقداح من الماء) ، وعلى مائدة الغداء خاطب ولده (كاكه محمد .. سي برداغي ماستاو) وحضرت ثلاثة اقداح من اللبن، وزعها صديقنا سلمان الصالح علينا، مؤكدا على ان هذا افضل انواع اللبن الذي يصنع في كردستان!.
غريب هذا الرجل، لم يتغير شيء في طباعه ومواقفه ، برغم تجاوزه السبعين فمنذ تعرفنا عليه قبل اربعة عقود وهو ثابت على فلسفته التي تقول (حذار ان تكون عدوا للحاكم، ولكن احذر اكثر ان تكون صديقا له، لان الوقاية خير من العلاج) وقد ظلت عبارته ذات الدلالة الصحية (الوقاية خير من العلاج) عصية على فهمنا، حتى حاصرناه في اثناء زيارتنا له، وهددناه بالزعل ومعادرة المنزل اذا لم يوضح المقصود منها، وما علاقتها بالحاكم!. رضخ الصالح مجبرا وقال : على العراقي العاقل، ان يتصرف بما يجعل الحاكم يشعر بالرضا عنه، من غير ان يمسح كتفيه او يسبح في حمده او يكون من اتباعه، ولهذا كنت ارفع صورة الملك على واجهة داري، وانا لا احبه ولا اكرهه ، وعندما سقط النظام الملكي، رفعت شعار الجمهورية، وانا لست مع النظام الجمهوري ولا ضده، ويوم علا نجم الشيوعيين رفعت المنجل والمطرقة وارتديت رباطا احمر، وانا لست شيوعيا، وهكذا اما في زمن صدام فارتديت الزيتوني في العمل والشارع والمقهى والبيت وسرير النوم، ومع ذلك لم انتم الى حزب البعث، وبذلك كسبت رضاهم، ولان الجماعة كانوا متطرفين في ملاحقة الناس، فقد كنت اتقيهم بتوزيع صحون الحلاوة يوم 28 نيسان من كل عام، وكانوا مسرورين مني ظنا منهم انني احتفل بعيد ميلاد القائد، بينما كنت في الحقيقة اقوم بايفاء نذر في رقبتي،  وهو توزيع الحلاوة كل عام اذا اكمل ابني الدراسة المتوسطة، ولانني لم احدد يوما معينا للنذر، فقد استثمرت هذه لمناسبة التي دعت امين سر الفرقة الى زيارتي شخصيا ليشكرني على موقفي الوطني!. ثم حدثنا الرجل عن موقفه من الحكام بعد سقوط النظام، وكيف تخلى عن الزيتوني ونسب النذر وارتدى القبعة الامريكية في الايام الاولى من الاحتلال، وحين تشكل مجلس الحكم رفع صورة كبيرة تجمع الاعضاء، فذلك افضل واسهل من القيام كل شهر برفع صورة لرئيس المجلس، وعندما تم اجتثاث المجلس على حد تعبيره، واصبح الشيخ غازي الياور رئيس الجمهورية، بدأت ارتدي العقال والعباءة ونصبت مضيفا في حديقة المنزل، وانا يا اخوان، والكلام له في الحالات كلها، لست مع ولا ضد الامريكان ولا مجلس الحكم ولا غازي الياور، وهكذا امضيت حياتي مرتاح البال، وضمنت لاسرتي الطمأنينة والسلامة!.  احدنا، وهو صديق لا يخلو من غفلة وشيء من الغباء ساله : وماذا فعلت وكيف تصرفت حين اصبح (مام جلال) هو الرئيس؟ وقد اثار استفساره انزعاجنا جميعا، اذ من غير المعقول ان تصل به الغباوة الى هذا الحد، ويسأل مثل هذا السؤال، بعد كل الذي اقدم عليه الرجل من اجراءات وتحوطات، وبعد كل تلك الاقداح الشهية التي شربناها من لبن كردستان!!.

التعليقات معطلة