الباحث السياسي زمن رشيد
في عالم المضامير السياسية والمنعطفات التاريخية، كثيراً ما يختلط الأمر على العامة وأحياناً على النخب ذاتها في التمييز بين شخصيتين تتحركان في الفضاء العام نفسه، وتتحدثان اللغة ذاتها، وتتطلعان إلى المقاعد والمنصات ذاتها؛ وهما رجل الدولة والسياسي. إن الفارق بينهما ليس مجرد اختلاف شكلي في الألقاب أو المسميات الوظيفية، بل هو هوة سحيقة في العقيدة الفكرية، والمنظور الأخلاقي، والمدى الزمني الذي تتحرك فيه عين كل منهما. ولعل التوصيف الأدق والأكثر عمقاً للتفريق بين الاثنين هو ما يُنسب غالباً إلى المفكر والسياسي الأمريكي جيمس فريمان كلارك حين قال إن السياسي يفكر في الانتخابات القادمة، أما رجل الدولة فيفكر في الجيل القادم. هذا البعد الزمني يفسر لنا لماذا يتحرك السياسي وفق تقويم انتخابي قصير الأجل، حيث يكون أقصى طموحه ممتداً لسنوات دورته النيابية أو الحكومية، فتجده مدفوعاً بحمى الصناديق، يبحث عن الإنجازات السريعة والمكاسب الخاطفة التي يمكن تسييلها فوراً في رصيده الشعبي، على عكس رجل الدولة الذي يمتلك بعد نظر استراتيجي ويبني لزمن قد لا يكون فيه حياً أو في السلطة ليجني ثماره، فيكون مستعداً لغرس بذور إصلاحات هيكلية صعبة، اقتصادية أو تعليمية أو دستورية، قد تكون غير شعبية في الحاضر لكنها تضمن نجاة واستقرار الأمة في المستقبل البعيد. ومن هنا تختلف دوافع الحركة وصناعة القرار بين الشخصيتين بشكل جوهري، فالسياسي غالباً ما يكون مرآة للجمهور، يدير شراعه أينما هبت رياح «التريند» أو المزاج العام حتى لو كان هذا المزاج يسير بالبلاد نحو حافة الهاوية، فهو يبحث عن التوافق بأي ثمن ويفضل المسكنات المؤقتة للأزمات على حساب الحلول الجراحية الجذرية، بينما يمتلك رجل الدولة شجاعة مواجهة الجماهير بالحقيقة العارية، ولا تقوده استطلاعات الرأي اليومية بل تقوده المبادئ العليا للدولة، فيسعى لقيادة الرأي العام وتشكيله وتوعيته لا التبعية له، ويكون مستعداً للتضحية بشعبيته المؤقتة في سبيل اتخاذ قرار تاريخي يحمي كيان الوطن. إن هذا الاختلاف ينعكس بالضرورة على معيار النجاح والغاية النهائية لكل منهما؛ فبالنسبة للسياسي، تعتبر السلطة هي الغاية والمبتغى، والوصول إلى الكرسي أو الحفاظ عليه هو معيار النجاح الأوحد، ولذلك قد يلجأ إلى الخطاب الشعبي العاطفي، وإذكاء النعرات، أو تقديم وعود وردية غير قابلة للتطبيق فقط لكسب الولاءات، أما بالنسبة لرجل الدولة، فالسلطة هي مجرد وسيلة وأداة لخدمة الصالح العام، ومعيار نجاحه هو قوة المؤسسات التي يتركها خلفه، وسيادة القانون، واستقرار المجتمع، فالسياسي يبني كتلة انتخابية، بينما رجل الدولة يبني أمة. وفي محصلة القول، نرى أن السياسيين كثر، تملأ أصواتهم الشاشات والمنصات وتتحكم بأفعالهم الحسابات الحزبية والضيقة، أما رجال الدولة فهم عملة نادرة لا تظهر قيمتهم الحقيقية إلا في أوقات الأزمات الكبرى والمنعطفات التاريخية حيث تغيب الأنانية وتتجلى الحكمة، وإن أزمة العالم المعاصر اليوم وفي منطقتنا على وجه الخصوص ليست أزمة شح في السياسيين، بل هي أزمة جوع حاد إلى رجال الدولة؛ أولئك الذين يعبرون بالبلدان من ضيق الحسابات الآنية إلى رحابة الاستقرار الاستراتيجي.


لا يوجد تعليق