Pdf copy 1

 من الانصاف (لاغراض التوثيق التاريخي)، ان نميز في عالم الصحافة بين كتاب (الخارج) وكتاب (الداخل) فالمقيم تحت العلم البريطاني مثلا او الفرنسي او الكندي، كان وما زال محميا بقوانين الاقامة ومكاسبها، وفي المقدمة منها نعمة الحرية التي جعلتهم يكتبون بالقلم العريض، من دون محاذير، فلا بعثيون ولا عصابات ولا مغاوير، ولا خشية من زوار الليل او متنكرين وفوق هذا كله، كانت الفضائيات وكبريات الصحف العالمية دائمة الاستشهاد بمعلوماتهم ووجهات نظرهم، والتعامل معها على انها تمثل راي الشارع العراقي، مع ان اغلبهم لا يدري ان  شارع النهر هجرته النساء، وان محلة الشواكه اعلنت نفسها اقليما!!.
اما كتاب (الداخل) الذين وفر لهم سقوط النظام الدكتاتوري مساحة مفتوحة من حرية التعبير لم تراود احلامهم، فان الطريق ما زالت امامهم محاطة بالاسلاك الشائكة مع كل المظاهر المخادعة، فهم حتى هذه اللحظة من دون علم يقيمون تحته، و احلامهم الوردية سرعان ما اخذت بالتبخر شيئا فشيئا بسبب حماوة الجو ودرجات الحرارة العالية لهذا فقد اختار كل واحد منهم شرطيا متمرسا اسكنه في رأسه، لكي يراقب افكاره واصابعه ونواياه، ويحفظ له حياته ودورته الدموية، اذا تجرأ على قول الحقيقة !!.
الشرطي الاختياري  في قناعتي، هو انبل اختراع ابتكره  كتاب الداخل، فاذا انجز احدهم موضوعا عن السجون وحقوق الانسان نصحه الشرطي ان يمزق اوراقه قبل ان يكون الضحية التالية، واذا كتب عن مساوىء النظام السابق وجرائم الارهابيين والتكفيريين،  دعاه الى اخفاء كتاباته، لانه سيكون صيدا سهلا من دون ان يحميه احد، نهاه عن الخوض  في قضية قد تؤدي الى اتهامه بالزندقة واقامة الحد عليه، واذا امتدح خطوة ايجابية اقدمت عليها الحكومة نبهه الى انه لن يفلت من اعداء الحكومة، واذا نقد سياسة الحكومة من المصالحة الوطنية تولى الشرطي بنفسه تمزيق الاوراق، لان (صاحبه) سيخضع للمساءلة والعدالة، المعدل عن قانون الاجتثاث، واذا دعا الى ان يكون امتلاك السلاح وتنفيذ القانون، حكرا على الدولة، حذره الشرطي من مغبة هذا التحرش… 
وهكذا يجد الصحفي قلمه في النهاية، يكتب مقالات (لا تضر ولاتنفع) فلا يقلبها احد، ولا تلتفت اليها فضائية، وبذلك سيسجل التاريخ لكتاب الخارج شجاعتهم وجرأتهم، بينما يتهم كتاب الداخل بمأساتهم مع الحرية التي اغتالها اصحاب المصالح بشتى مسمياتهم، ان يذيلوا مقالاتهم بالعبارة التالية : كاتب مقيم في العراق !!. 

التعليقات معطلة