Feature

جون بول راثبون 
هناك عدد قليل من الموضوعات الأكثر عاطفية مما يسمى “الحرب على المخدرات” وتقنين استخدامها. موضوعات تحتاج إلى مجهود كبير للتفكير بشأنها بشكل واضح، ومن السهل جدا الشعور بالغضب حيالها. ويغلب على التفاصيل الدقيقة أن تضيع وسط هدير الآراء المتشددة، سواء من أسر المدمنين، أو المتحررين الأصوليين، أو – في إضافة تجارية أخيرة إلى النقاش – مسؤولي العلاقات العامة في صناعة الحشيش القانوني “اللقيطة” في الولايات المتحدة.
نحن نتحدث هنا فقط عن الأسواق الاستهلاكية التقليدية. فيما يتعلق بالغضب الحقيقي – فضلا عن الرعب والشفقة – انظر إلى البلدان الموردة التقليدية. هذا هو المكان الذي يقع فيه الضرر البالغ الخطورة – ضرر أعلى بكثير من المخاوف التي قد تكون لدى الآباء بشأن أبنائهم الذين يتعاطون الحشيش عالي التأثير، أو يأخذون حبوب الهلوسة ويهتاجون طول الليل، بدلا من الدراسة للامتحانات، أو الحصول على وظيفة أولى. هذا هو الحال في دول مثل المكسيك وكولومبيا وأفغانستان، حيث تكشف الحرب على المخدرات وجهها الأكثر دموية.
لوضع أعداد الضحايا في المنظور المناسب، قتل نحو 15 ألف شخص في العراق العام الماضي نتيجة للصراعات المختلفة، بما في ذلك الوفيات نتيجة القتال مع تنظيم داعش. وهذا يشكل نحو 40 حالة وفاة عنيفة بين كل 100 ألف شخص – 10 أضعاف معدل القتل في الولايات المتحدة و40 مرة ضعف العدد في المملكة المتحدة. الأمر الصاعق أكثر من ذلك أن مزيدا من الناس “نسبة إلى عدد السكان” قتلوا العام الماضي في السلفادور، وضعفهم في هندوراس، حيث يتولد ضحايا العنف من وجود هذه الجمهوريات التعيسة في أمريكا الوسطى، على طول الطرق الرئيسية لتهريب الكوكايين.
لا عجب أن أمريكا اللاتينية قادت دعوات لإعادة النظر في حظر المخدرات – وأن الأمم المتحدة ستعقد اجتماعا خاصا في العام المقبل للتوصل إلى موقف عالمي جديد. فإذا جمعنا ذلك مع تحرك ولاية بعد أخرى نحو تقنين القنب أو الحشيش في الولايات المتحدة، فمن المرجح أن تكون عملية إعادة النظر في أمر المخدرات في طريقها إليكم قريبا.كتاب “الفن الخفي” The Dark Art، من تأليف إدوارد فوليس، وكتاب يوهان هاري بعنوان “مطاردة الصرخة” Chasing the Scream، ومشروع “تحديث فرض قانون المخدرات” الذي يقوده اتحاد السياسة الدولية للمخدرات، تساعد جميعا على صياغة هذه المناقشة الصعبة. إنها صعبة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن المخدرات تمس حياة كثير من الناس وتتسبب لهم في أضرار متكررة في كثير من الأحيان، ومأساوية في بعض الأحيان. وهي صعبة لأن سياسة المخدرات ـ إلى حد ما مثل ظاهرة الاحتباس الحراري ـ موضوع ضخم ينطوي على كثير من جوانب السلوك الإنساني وأسئلة حول المعايير الاجتماعية والأخلاقية. هذه الكتب تغطي هذه التضاريس بشكل مفيد. (على الرغم من أنه بالنسبة للمهتمين بالسياسة، “المخدرات وسياسة المخدرات لعام 2011: ما يتعين على الجميع معرفته”، بقلم مارك كليمان وجوناثان كولكنز وأنجيلا هوكن، ليس فقط واضحا بشكل رائع وبليغ، وإنما يرتقي إلى مستوى اسمه).
“الفن الخفي” هو مذكرات شديدة العاطفة لأيام كانت فيها معالجة المخدرات غير المشروعة تبدو شأنا يشتمل على بريق معتم، وسيارات سريعة، وبنادق قوية –وأمر يرغب فيه الأخيار، وبالتأكيد، يفوزون في نهاية المطاف. قضى فوليس ما يقارب 30 عاما عميلا سريا تابعا لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، قاتل خلالها عددا من أشد الأشرار المكسيكيين والتايلانديين والأمريكيين وزعماء عصابات إجرامية أفغانية. وشجاعته في الاقتراب، ومن ثم القبض على هؤلاء الأوغاد لافتة للنظر. وهو بطل يستحق بجدارة الوسام الذي حصل عليه.لكن فوليس، الملقب بـ “كاستر” من قبل زملائه، يمثل أيضا جزءا كبيرا مما هو عديم الجدوى حول الحظر. فهو يقدم معنى جديدا لكلمة “الحماسي”، وحكاياته المتفجرة حول التصرفات التي تتطلب الشجاعة، على الرغم من صحة ذلك، غالبا ما تشبه القضاء على الأشرار في أفلام الإثارة الرائجة. (فيلم سيربيكو (1973)، هو اسم شرطي مثالي من نيويورك يلعب دوره آل باتشينو، كان بطل فوليس في فترة الطفولة).
في الواقع، أثناء قراءتي كتاب “الفن الخفي” كنت أعود غالبا إلى أوائل التسعينيات، عندما كنت أعيش في كولومبيا. أباطرة المخدرات، مثل بابلو اسكوبار، كانوا يفعلون أقصى ما في وسعهم للاستيلاء على البلاد، ويبدو حتى أفلام هوليوود تعتبر نسخا باهتة عن واقع يشيب الشعر منه حول عمليات القتل الجماعي والتفجيرات التي كانت تقع ـ بعيدا عن الشاشة ـ في كل يوم. أن تعيش في مثل هذه الحالة، لن يستغرق الأمر منك وقتا طويلا حتى تدرك أن الحرب على المخدرات غير المشروعة لا يمكن أبدا كسبها بشكل قاطع.فوليس، رغم أنه يعارض تقنين المخدرات، إلا أنه يعتقد الشيء نفسه. فهو يكتب “الحرب الوحيدة – إذا أردنا الإصرار على هذا المصطلح العسكري – تتكون من المعارك التي تستهدف تجار المخدرات الأفراد”. ويضيف “بالنسبة لي، كانت فكرة الحرب على المخدرات غير عقلانية. لا يهم مدى جودتك عميلا فيدراليا، ولا يهم مدى كبر قضاياك، ليس بمقدورك أبدا مصادرة ما يكفي من المخدرات لإحداث أي فرق ملموس”.كتاب هاري بعنوان “مطاردة الصرخة” ينقل التركيز من البلطجية إلى المخدرات التي يتاجرون بها، وكذلك إلى مستخدميها، خاصة المدمنين. تستطيع أن تقول إن هاري مناسب تماما لهذه المهمة. فهو كاتب عمود صحافي يتعافى من الإدمان. قبل أربع سنوات كان الكاتب الأنجلو ـ سويسري الشاب واحدا من نجوم صحيفة “الإندبندنت”، ثم انهارت حياته المهنية فجأة. اتُّهِم هاري بأخذ مقتطفات من قصص الكتاب الآخرين وتقديمها على أنها من تأليفه. وتبين لاحقا أنه أيضا كان يستخدم هوية ويكيبيديا مزورة لتشويه سمعة الصحافيين الذين اختلفوا معه. وتبع ذلك العار والخزي، وهو الأمر الذي يبدو أنه قاده بشدة إلى المشاهير – إلتون جون، وراسل براند، ونعوم تشومسكي، ونعومي كلاين – الذين تظهر عبارات تقريظهم على جلدة هذا الكتاب. يا له من عالم قاس.
لكن كتاب “مطاردة الصرخة” هو أكثر من مجرد عمل من أعمال إعادة التأهيل؛ إنه عبارة عن حكاية متقنة وغالبا ما تكون محكمة حول “الأيام الأولى والأخيرة للحرب على المخدرات”. يصف هاري الأيام الأولى لعدم شرعية المخدرات، عندما كان زعماء العصابات، مثل أرنولد روثستاين، والعملاء الفيدراليون، مثل هاري آنسلنجر، أول رئيس للمكتب الفيدرالي لمكافحة المخدرات، يحددون معالم سياسات الحظر الحديثة. إنه مؤثر بشكل خاص حول بيلي هوليداي، مغنية الجاز (الأمريكية ـ الإفريقية) التي حولها آنسلنجر السادي والعنصري إلى القضاء واضطهدها لتعاطيها الهيروين – في تناقض صارخ مع جودي جارلاند، التي سكت آنسلنجر عن إدمانها على الهيروين.
كذلك أجرى هاري أبحاثا معمقة من أجل كتابه. عبر هاري جيئة وذهابا إلى الولايات المتحدة عن طريق حافلات جريهاوند، للبحث عن التجار والمدمنين ووكلاء الشرطة. وزار البرتغال وأوروجواي للتحقيق في الآثار المترتبة على عدم التجريم. إنه يبحث في تكلفة الحظر في المكسيك، حيث قُتل أكثر من 60 ألف شخص منذ أن شن الرئيس السابق، فيليبي كالديرون، هجوما على الجريمة المنظمة قبل ثماني سنوات، وقام بالرحلة المخيفة الواجبة إلى سيوداد خواريز، التي كانت تعرف باسم “مدينة الموت”.
يعتبر هاري شخصا جدليا يساريا بحسب الوصف، ويمكن لحكايات التحريض العرضي للشفقة أن تثير الاستياء. يقول “إدمان المخدرات ليس كما يقال لنا عنه”، ملمحا إلى وجود مؤامرة خفية. لماذا لم يقل بدلا من ذلك “إدمان المخدرات ليس كما يظنون خطأ؟”، لكن هذا يعتبر نوعا من المماحكة. هاري يسعى إلى أن يكون صادقا ومحايدا. إنه يعترف بأن الأنواع المختلفة من المخدرات تحتاج إلى أن تعامل على أساس الأضرار النسبية. بمعنى أن الموقف الذي يتخذه الشخص بخصوص تقنين وتنظيم مبيعات المخدرات ينبغي أن يعتمد على كل نوع من أنواع المخدرات. وعلى عكس عديد من أنصار تخفيف قوانين المخدرات، يطرح هاري أيضا الفكرة الحاسمة التي تقول إنه حتى تقنين الحشيش تترتب عليه عواقب، وليست كلها عواقب جيدة، على الرغم من أن النتيجة النهائية ربما تكون أفضل من الوضع الراهن.هنا يجدر بي أن أتحدث عن بعض الجوانب الإيجابية والسلبية. ستقع أكبر التكاليف في معظمها على عاتق أولئك الذين ربما يفقدون السيطرة على استخدام المخدرات. هذا أمر لا مفر منه، حتى إذا كانت الزيادة العامة متواضعة (كما هو الحال في البرتغال). ومع أن تعاطي الحشيش ربما يكون أقل أذى بكثير من الكحول – التي تمثل مشكلات أكثر من كل مشكلات المخدرات غير المشروعة مجتمعة – إلا أنه لا يزال سيئا كثيرا إذا حدث أن أدمنت عليه، أو أي شخص في عائلتك.
ويقدر حجم تجارة المخدرات العالمية بأكثر من 380 مليار دولار سنويا. ويرى بعضهم أن تقنينها يمكن أن يزيد إيرادات الدولة من الضرائب، ويحرر الشرطة لمتابعة الجرائم الأخرى، كما يحقق وفورات ضخمة على ما ينفق الآن على اعتقال وسجن متعاطي المخدرات وبائعيها. وتنفق الولايات المتحدة أكثر من 40 مليار دولار سنويا في هذا الصدد.
كيف يجب أن تستجيب سياسة الشرطة هو موضوع يتكون من أوراق متعددة وثلاث جولات من الندوات حول “تحديث فرض قانون المخدرات” التي نشرتها IDPC، مجموعة من المنظمات غير الحكومية التي تبحث في سياسة المخدرات، بدعم من اثنتين من مؤسسات الفكر والرأي البريطانية، هما تشاتام هاوس والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. الكتاب الذين كتبوا الأبحاث، والجمهور الرئيسي، هم من كبار ضباط الشرطة والمسؤولين الحكوميين. نعم، إصلاح سياسة المخدرات أصبح المسار السائد. حتى الولايات المتحدة أسقطت رسميا عبارة “حرب المخدرات” (وإن كان جزء كبير من آسيا لم يفعل ذلك: هذا الشهر، أعدمت إندونيسيا ستة من صغار مهربي المخدرات – بمن فيهم شخص كندي وآخر برازيلي).نقطة البداية هي أن تقرر ما ينبغي أن يكون الهدف من سياسة المخدرات؟ والإجماع هو أننا يجب أن نسعى للحد من الضرر. وهذا يعني تغيير التركيز من، مثلا، زيادة المضبوطات من المخدرات أو توقيف وسجن المذنبين والتحول إلى دفع مستويات العنف إلى الأدنى.هذا النهج يمكن أن يؤدي إلى نتائج واضحة، مثل مزايا العلاج ببدائل الهيروين. ففي المملكة المتحدة، ما يصل إلى 50 في المائة من الجرائم التي يتم فيها الاستيلاء على ممتلكات الآخرين يتم ارتكابها لتغذية عادة تعاطي المخدرات. بالتالي، حين تعمل على تحقيق الاستقرار لحياة متعاطي المخدرات هؤلاء الذين يعتبرون الأكثر فوضوية، فلن تنخفض مستويات الجريمة فقط، بل يصبح من الممكن أيضا أن نفكر في فطام المدمن عن المخدرات. ومن المفارقات، أن تقنين المخدرات يتطلب أيضا تطبيقا أفضل للقانون، وليس أقل. علاوة على ذلك، فإن فكرة أن تقنين جميع المخدرات من شأنه تخليص عالم المخدرات فجأة من مجرمي المخدرات هي حجة غير مقنعة. ومعالجة مثل هذه المشكلات لا تدور حول أسواق المخدرات غير المشروعة بقدر ما تدور حول بناء سيادة القانون.

التعليقات معطلة