… اما بالنسبة لي فقد كان الحصول على (مقعد) في مجلة (الف باء) حلما كبيرا دونه مقعد برلماني في الالفية الثالثة، ذلك هو طموحي الوحيد في مرحلة الشباب القريبة من سن المراهقة، وهو الذي دفعني الى شراء المجلة ومتابعتها بانتظام على الرغم من عسر اليد، وقراءتها بتركيز كما لو كانت واجبا مدرسيا مقررا و … ويبدوا ان قدرا من حلمي قد تحقق عندما بدأت المجلة تنشر كتاباتي منذ عام 1969 غير ان هذا كان دون هوسي!!.
ظل حلم الحصول على مقعد في الف باء مؤجلا قرابة 17 سنة، وتحديدا حتى اذار 1986، حيث قمت بزيارة صديق عمري كامل الشرقي (رئيس تحرير المجلة يومها)، لاننا لم نتلق على مدى تسع سنوات او عشر تقريبا وقد عرض الرجل علي العمل وانا اتمنع ( في داخلي كنت اعاني من جنون السعادة)، وبعد إلحاحه الكبير (رضخت) ووافقت .. وهكذا قادني من يدي وقدمني الى الزملاء في القسم السياسي على انني التوأم الفكري للرفيق ما وتسي تونغ، وعبثا ذهبت محاولاتي للتخلص من هذا القسم، قلت له (لست كاتبا سياسيا، بدليل عدم قدرتي على التمييز بين قارة افريقيا والقارة السوداء!) ،ولكن من الصعب ثني رئيس تحرير عن قناعته حتى لو اقسمت له برأس الدستور وشرف العملية السياسية !!.
كان القسم السياسي يضم الصديق الرائع (عادل سعد) رئيسا، وعضوية الصديق الدافئ، الدكتور بشير العلاق.. فقط، وبالتحاق الرفيق ماوتسي اصبح العدد ثلاثة، نمتلك غرفة صغيرة في المطبعة اقرب ما تكون الى سجن انفرادي، ولا يوجد في هذه الغرفة سوى كرسيين، احدهما لزعيم القسم، ولا يجوز لاعتبارات اخلاقية وقانونية ووظيفية، التجاوز عليه او المساس بحرمته، والاخر من الناحية النظرية للعلاق ولي بالتناوب، ولكن من الناحية العلمية كان من نصيب الدكتور، ليس لانه من ارث اسرته، فالكرسي كرسي الحكومة، ولن يرث الحكومة الا الحكومة، وانما لكون الرجل، والحق يقال، منهمكا بكتابة تحليلات وتعليقات واخبار سياسية، وبالتالي يحتاج الى كرسي، وهكذا خسرت حلمي القديم بالحصول على مقعد (دائمي) في المجلة، وكنت اصرف وقت الدوام الرسمي بالوقوف والتدخين والتسكع في ممرات المطبعة.. فهل كنت غاضبا او منزعجا ؟!. الواقع انصرمت 6 اشهر شمسية على هذه الحال، هي احلى ايام العمل الصحفي في حياتي، فقد كان رئيس قسمي وولي أمري ونعمتي عادل سعد يقلني بسيارته من بيتي الى المطبعة صباحا، ويعيدني في الثانية ظهرا، ثم يقلني عصرا (وجبة الدوام المسائي) بالطريقة نفسها، وفي التاسعة ليلا نغادر المطبعة ونذهب الى مطعم في المنصور ونتعشى اكلة تسمى (ضلوع مشوية) .. كانت لذيذة وجديدة وغريبة على معدتي، ثم يعيدني الى البيت سالما معافى قرابة الحادية عشرة ليلا!!. في اثناء الاشهر الستة المباركة، زاد وزني 6 كيلوغرامات، وتناولت 66 وجبة ضلوغ، ولم يسمح لي الرجل الكريم عادل سعد ان ادفع درهما واحدا من جيبي، كما لم يسمح لي ان اكتب خبرا سياسيا واحدا.. فلماذا انزعج او اغضب؟!!.