أثير الشرع
شعار مكافحة الفساد وإعادة رسم أولويات الدولة رفعته معظم الحكومات السابقة، وتطبيق هذا الشعار على أرض الواقع يتطلب سياسات جديدة وقرارات جريئة،
ومن القرارات التي أثارت جدلاً واسعاً مؤخراً إتجهت حكومة رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي إلى إلغاء مشروع تطوير مطار بغداد الدولي ومشروع السكك الحديدية اللذين أُقرا خلال المرحلة السابقة؛
وبين مؤيد يرى في القرار خطوة ضرورية لحماية المال العام، ومعارض يعتبره تعطيلًا لمشاريع إستراتيجية يحتاجها العراق بشدة، يبقى السؤال الأهم: ما الدوافع الحقيقية التي تقف خلف هذا القرار؟ وما إنعكاساته على مستقبل الإستثمار والتنمية في البلاد؟
من الناحية الرسمية، بررت الحكومة قرارها بوجود ملاحظات قانونية ومالية تتعلق بآليات التعاقد والكٌلف التقديرية للمشروعين، فضلاً عن الحاجة إلى إعادة تقييم الجدوى الإقتصادية والفنية لهذين المشروعين وتؤكد الحكومة أن أي مشروع إستراتيجي يجب أن يخضع لمعايير الشفافية والمنافسة العادلة، خصوصاً في ظل تنامي المطالب الشعبية بمكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام.
القراءة السياسية للقرار تتجاوز الجانب الإداري البحت فالحكومات الجديدة غالباً ما تسعى إلى مراجعة العقود والمشاريع التي أبرمتها الحكومات السابقة، ليس فقط لأسباب قانونية، بل لإعادة رسم أولوياتها الإقتصادية والتنموية بما يتناسب مع رؤيتها السياسية وبرنامجها الحكومي، ويعد مشروع تطوير مطار بغداد الدولي من المشاريع الحيوية التي كان يُعوَّل عليها لتحسين البُنية التحتية لقطاع النقل الجوي ورفع قدرة العراق على إستقطاب الحركة التجارية والسياحية،
أما مشروع السكك الحديدية فكان يُنظر إليه بوصفه جزءاً من رؤية أوسع لربط المحافظات العراقية بشبكة نقل حديثة وتقليل الإعتماد على النقل البري التقليدي، وفي المقابل، يرى مؤيدو قرار الإلغاء أن الدولة لا تستطيع الإستمرار في إبرام مشاريع بمليارات الدولارات من دون تدقيق صارم، خصوصاً مع تراكم التجارب السابقة التي شهدت تعثر العديد من المشاريع الكبرى أو تضخم كلفها بصورة أثارت الكثير من علامات الإستفهام.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة دراسة تلك المشاريع قد تكون خطوة ضرورية لضمان تنفيذها مستقبلاً بصورة أكثر كفاءة وأقل كلفة، أما المنتقدون، فيحذرون من أن تكرار إلغاء المشاريع أو إعادة النظر بها مع كل تغيير حكومي يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين والشركات الدولية، ويخلق حالة من عدم الإستقرار في البيئة الإستثمارية العراقية، الأمر الذي قد يؤخر تنفيذ مشاريع البنية التحتية التي يحتاجها البلد بصورة عاجلة، وفي جميع الأحوال، فإن نجاح الحكومة لن يُقاس بقرار الإلغاء بحد ذاته، بل بما سيأتي بعده.
في حال أفضت المراجعات إلى عقود أكثر شفافية ومشاريع أكثر جدوى، فسيُنظر إلى القرار بوصفه خطوة إصلاحية، أما إذا تحولت عملية الإلغاء إلى مجرد تعطيل للمشاريع دون تقديم بدائل واضحة، فإن الإنتقادات ستزداد بشأن تأثير ذلك على مسار التنمية والإعمار. إن العراق يقف اليوم أمام معادلة دقيقة تجمع بين ضرورة مكافحة الفساد والحفاظ على المال العام من جهة، والحاجة الملحة إلى تنفيذ مشاريع إستراتيجية تعالج أزمات النقل والخدمات والبنية التحتية من جهة أخرى، وبين هذين الهدفين، ستكون الحكومة مٌطالبة بإثبات أن قراراتها لا تقتصر على إلغاء المشاريع، بل تمتد إلى تقديم رؤية متكاملة تضمن إنجازها بصورة أفضل وأكثر فائدة للدولة والمواطن.


لا يوجد تعليق