Feature

     د. خيام الزعبي
فعلها حزب الله، وضرب في العمق الإسرائيلي، في أول رد له على عملية القنيطرة التي استهدفت رجاله، ففاجأ الجميع، وغيّر بسرعة فائقة خطاب عدم الجرأة والخوف إلى خطاب القوة والانتقام، رافضاً بذلك تكريس معادلة تقول إن الضربات الإسرائيلية يمكن أن تمرّ مرور الكرام دون ردّ، فارضاً في المقابل معادلة من نوع آخر، معادلة عنوانها “من يعتدي على المقاومة سنحرقه ونجعل منه عبرة للعالم”. 
العملية النوعية التي نفذها رجال المقاومة تدل على أن العدو ضعيف وهش، كما تدل على قدرة المقاومة على تلقينه الدروس القاسية، وأن حادث الموساد لن يؤثر في قوات حزب الله، لكن يزيد من قدرتها على قهر جيش الاحتلال، وأنه عند اتخاذ قرار الحرب لن يستطيعوا الصمود أمام إرادتهم. 
قرع حزب الله طبول الحرب مع إسرائيل بعد أن نفذت غارة القنيطرة التي استهدفت قادة في المقاومة، والصراع بين الجانبين طفا على السطح من جديد، وبدأ يكشر عن أنيابه، وبعد توعد إيران وحزب الله بالانتقام، أعلن حزب الله مسؤوليته عن إطلاق صاروخ مضاد للدبابات على مركبة عسكرية إسرائيلية، إذ قتل وأصاب عددا من الجنود الإسرائيليين في هجوم استهدف دوريتهم بمزارع شبعا اللبنانية المحتلة، ما دفع الإسرائيليين إلى العيش في حالة خوف ورعب وتوترٍ، كونهم يخشون أن تؤدي هذه العملية إلى حرب شاملة ومفتوحة تندلع مع حزب الله وحتى مع إيران وسورية وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية. 
اليوم باتت المواجهة بين الكيان الإسرائيلي وحزب الله اللبناني قاب قوسين أو أدنى، فالردود الأخيرة المتبادلة بين الطرفين كانت عبارة عن رسائل أولية محسوبة بينهما، وقد تتدحرج الكرة وتنزلق إلى معركة كبيرة، كما حدث في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة الصيف الماضي.
 حزب الله نفذ عمليته الأخيرة اليوم بين حدي رفض القبول بأي اعتداء عليه ودون جر المنطقة إلى حرب إقليمية، مؤكداً أنها لن تكون الأخيرة وقد تتبعها عمليات معقدة للجم الأقاويل عنها في ظل سخونة الجبهة الشمالية، وهنا يمكنني القول إن انجاز حزب الله هذه العملية يحمل رسائل متعدّدة، وموجهة للكيان الصهيوني وحلفائه القدامى والجدد في الوطن العربي وعلى رأسهم الجهاديين، الرسالة الأولى كرّست مقولة إن حزب الله لن يسكت على دماء مجاهديه، وإنّ ثأره لهم آتٍ لا محالة، مهما طال الزمن، وإنه على جهوزية كاملة لردع الاحتلال، أما الرسالة الثانية، فتنطلق من رمزية مكان العملية في مزارع شبعا، بحيث حرص حزب الله على إعادة تسليط الضوء على أرض لبنانية محتلة تكاد تصبح منسيّة بعدما شطبها كثيرون من المعادلة السياسية، ومن جهة أخرى أكّدت أنّه من يحدّد قواعد اللعبة ومنها المكان والزمان المناسبان، وليست إسرائيل. أما الهدف من تلك العملية فهي رغبة إيرانية وسورية بمشاركة حزب الله اللبناني في خوض حرب استنزاف تنهك الاقتصاد الإسرائيلي وتحبط المستوطنين في الشمال الإسرائيلي، بالتالي في مثل هذه الطريقة قد تكون لها مزايا إيجابية بحيث أن الجيش الإسرائيلي المحتل سيبقى متأهباً في شمال إسرائيل وهو ما سيكلفه كثيراً من الأموال، وتترك أثراً سلبياً في برامج تدريب الجيش، وتستهلك وقتاً من تحليق الطائرات المقاتلة وطائرات أخرى، وهذا يكلف مئات آلاف الدولارات يومياً. هناك سؤال يردده معظم الإسرائيليين اليوم هو، هل تتورط إسرائيل في حرب شاملة مع حزب الله خاصة بعد العملية التي نفذها في منطقة مزارع شبعا؟ وهل تكون هذه العملية سيناريو تمهيديا مماثلا لحرب تموز 2006 التي نشبت عقب أسر حزب الله لجنديين إسرائيليين أعقبه هجوم إسرائيلي على الجنوب اللبناني؟ ﻻ يبدو أن هناك إجابات قاطعة عن هذا السؤال، فرئيس الحكومة الإسرائيلية الذي توعد برد قاس وشديد خلال ترؤسه اجتماعاً طارئاً لحكومته، قد يكون متردداً في الإقدام على خطوة ربما يدفع ثمنها غالياً خلال انتخابات الكنيست المقرر إجراؤها في 17 مارس القادم، فأجواء حرب لبنان الثانية عام 2006 لا تزال ماثلة وعالقة في أذهان الإسرائيليين في الشمال، ولا تزال ذكريات الملاجئ وأصوات صافرات الإنذار وصواريخ حزب الله، تقض مضاجع سكان عكا وحيفا ونهاريا وكريات شمونة وصفد والناصرة والخضيرة وطبرية، وغيرها من المناطق، وبالتالي فإن جبهة إسرائيل الداخلية غير مهيأة وغير جديرة بالدخول في حرب جديدة مع حزب الله الذي طور نفسه كثيراً عن حرب 2006، رغم كل التدريبات والتجهيزات التي تجريها، وانطلاقاً من ذلك يمكنني القول إن إسرائيل ستتردد كثيراً في الرد على عملية حزب الله الأخيرة، والسبب طبعاً خوفها من صواريخ حزب الله التي لديها القدرة للوصول الى قلب تل أبيب، بالإضافة الى وجود 15 ألف جندي من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة “اليونيفيل” بجنوب لبنان، كما أن إسرائيل تخشى الدخول في حرب لم تقرر تاريخ بدئها خاصة أن الظروف اللبنانية تختلف عما كانت عليه عام 2006، وبالتالي فإن عدم رد اسرائيل على عملية حزب الله ستكون بداية النهاية لهيبتها، خاصة أن إسرائيل واقعة تحت اختبار صعب للغاية، وفي حالة لجوء إسرائيل الى سيناريو ضرب مطار بيروت ومحطات الكهرباء والجسور، فإنه يجب أن تكون متأكدة من أن “القبة الحديدية” ستحميها من صواريخ حزب الله، بمعنى أن نتنياهو فقد السيطرة والتركيز وأن مآلات السلوك الإسرائيلي رداً على العملية ستكون محدودة، ولكن إذا قرّرت إسرائيل غير ذلك، فإنّ المقاومة بالمرصاد وهي على أتمّ الجهوزية، لأن الإسرائيلي يعرف قبل غيره أنّ “مفاجآتها” قد تطاله في العمق، خصوصاً إذا ما فتح الصراع  أبوابه. عملية شبعا البطولية وضعت نتنياهو بمأزق كبير، فهو اليوم يغامر في مستقبله السياسي، لذلك ليس من السهل على إسرائيل أن تفتح جبهة حرب على لبنان وسورية وهي مقبلة على انتخابات قريبة، والقرار الآن سياسي بامتياز، وهو مرتبط بتقدير رئيس الوزراء الإسرائيلي وقياداته العسكرية في ضوء التطورات خلال الساعات المقبلة، حيث يعقد رئيس الأركان الإسرائيلي جلسات متكررة مع قادة الجيش لتقييم الأوضاع، وبالتالي فإن  إيران وحزب الله يبحثان عن رد عنيف ومناسب، لإعادة الردع ولإعطاء إشارة لإسرائيل بأنهما لن يقبلا التغيير في قواعد اللعبة وأن المواجهات القادمة ستكون مدروسة ومحسوبة للغاية من الجانبين.العملية التي نفذتها المقاومة أكدت مصداقية الحزب وقدرته في رد الصاع صاعين لإسرائيل، وأهمية الثقة بالنفس وامتلاك الإرادة والشجاعة لقوى المقاومة في التعامل مع العدو ووجوده الغاصب على أرض فلسطين وأي بقعة في الأراضي العربية، فالعملية رد طبيعي على جرائم الاحتلال، لذلك لا بد من تشكيل جبهة مقاومة وغرفة عمليات موحدة لوضع إستراتيجية جديدة للمقاومة في الأراضي الفلسطينية، واللبنانية، والعربية المحتلة.

التعليقات معطلة