كان من المتوقع أن يكون رئيس جامعة البصرة في طليعة المشاركين بالندوة العلمية التي عقدتها المنظمة الدولية للعلوم والفنون والآداب (اليونسكو) لتكريم (الحسن أبو علي بن الحسن بن الهيثم)، وكان من المفترض أن يسير وزير التعليم العالي في مقدمة المحتفلين بأروع علماء البصرة وأكثرهم شهرة. وكان من المفترض أن تشارك السفارة العراقية في هذه الاحتفالية، التي خصصتها المنظمة الدولية لتكريم هذا العالم الجليل بمناسبة السنة الدولية للضوء وتكنولوجيا البصريات في حفل مهيب احتضنته العاصمة الفرنسية (باريس). لكنه وقف هناك وحده وعينه على البصرة.
كانت ولادة ابن الهيثم في البصرة عام 354 هجرية، المصادف للعام 965 ميلادية، وكان من البارعين في علم البصريات، وهو الذي وضع الأفكار الأساسية لتصميم (الكامرة)، التي أخذت اسمها من (القمرة)، وهي غرفة صغيرة مظلمة، مبطنة بالسواد. كان يلتقط فيها الصور الحية من خلال ثقب صغير يخترق جدار القمرة.
أغلب الناس لا يعلمون أن ابن الهيثم، المثبتة صورته على العملة الورقية العراقية من فئة عشرة آلاف دينار، صار من الثوابت الفلكية بعدما أطلقت أوربا اسمه على كويكب صغير اكتشفه عالم الفلك السويسري (ستيفانو سبوزيتي) قبل 16 سنة، فأصبح هذا الكويكب يحمل اسم (Alhazen) وتعني (الحسن).
المثير للعجب أن مؤسسي الفقه التكفيري من أمثال ابن تيمية والحافظ الذهبي هم الذين أفتوا منذ زمن بعيد بتكفير ابن الهيثم، وتكفير الخوارزمي والفارابي والرازي والكندي وابن سيناء وابن خلكان وابن حيان والبيروني وكل العلماء المسلمين الذين برعوا في الكيمياء والفيزياء والطب والفلك والفلسفة. انظروا الفتوى (62822). بينما ترفعهم اليوم المنظمات العلمية العالمية إلى أرفع المراتب لما قدموه من اختراعات واكتشافات باهرة، وكانوا من خيرة الرواد الزاهدين في الدنيا، المنصرفين للبحث والتجريب والدراسات المضنية. تجلت علومهم بالثورة الفكرية التي أفرزت العصور الذهبية. ربطتهم رؤية معرفية ولغة ثقافية واحدة، إلا وهي لغة القرآن الكريم، التي كانوا يتحاورون بها، ويستمدون علومهم منها، وقد استفادوا من موقف الإسلام السمح في اندفاعاتهم نحو العلم اندفاعا لا يحفل بهمجية الطغاة أو بمضايقات التكفيريين.
كان ابن الهيثم يتقن لغات عدة. أفنى حياته في التعليم والتأليف والتجارب، فترك وراءه حوالي (237) كتاباً مخطوطاً في مختلف العلوم. أما مؤلفاته في البصريات والرياضيات فكانت (37) مؤلفا. نذكر منها (كتاب المناظر) الشهير، الذي تناول العدسات المقعرة والمحدبة وطب العيون وفحص البصر، وهو أول من درس تشريح العين تشريحا كاملا، ودرس وظيفة كل عضو فيها، وأول من درس زوايا الانكسار والانعكاس. ثم حاول احتساب سرعة الضوء، وسبق آينشتاين بقوله أن الضوء محدد السرعة، وإنه ينكسر وينعطف ويتشتت. بيد أن معظم مؤلفاته تعرضت للحرق والتمزيق والتلف بسبب الفتوى التي أطلقها عليه ابن تيمية ورهطه. برع ابن الهيثم بالهندسة والفلسفة والفلك والفيزياء وعلوم الدين والنفس والموسيقى، فكتب عن تأثير الألحان على سلوك الحيوان، وعن سرعة الجمل وكيف تزيد وتقل مع تناغم إيقاعات الحداء الشائعة في بوادي العرب. كما أعطى أمثلة عن كيفية تأثير الموسيقى على سلوك الحيوان وحالته النفسية عبر تجارب أجراها على الطيور والخيول والزواحف، وهناك من قرأ ما كتب بعد ألف عام، فراح يستخدم موسيقى موزارت بشكل خاص في مزارع المواشي.لم يشارك العرب في هذه الاحتفالية مثلما شاركوا في الفزعة الباريسية المفتعلة، التي أعقبت حادث جريدة (شارلي ابيدو)، فكان حضورهم في حفل التكريم مقتصرا على الأستاذ (أحمد سالم) باعتباره المشرف العام على فعاليات المهرجان، والسفير السعودي الدكتور (زياد الدريس)، والأستاذ (سالم الحساني) رئيس مجلس إدارة مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة. اما الذين تخصصوا بالتقليل من أهمية البصرة وعلمائها فلم يعرفوا شيئا عن مكانة هذه القامات العلمية الشامخة. تارة يسموننا (المعدان)، وتارة (الشروك)، وتارة أخرى يسموننا (محافظات)، لكنهم لا يعلمون حتى الآن كيفية التعامل مع أتفه المعادلات الحسابية التي يتقنها أبسط بقال من بقاقيل البصرة الزاهرة دوما بأهلها.

