ياسمين فرحان عبد/ جامعة سامراء
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات رقمية لتبادل الأخبار أو مشاركة الصور واللحظات اليومية، بل غدت جزءًا فاعلًا من الحياة المعاصرة، تؤثر في طريقة التفكير، وتصوغ جوانب من الهوية الشخصية، وتنعكس على الثقة بالنفس، كما تُعيد رسم طبيعة العلاقات الإنسانية. وفي ظل هذا الحضور المتنامي، يبرز سؤال مهم: هل ما زال الإنسان هو من يصنع شخصيته، أم أن العالم الرقمي أصبح شريكًا في تشكيلها؟ تتكون الهوية الشخصية عبر منظومة من القيم والتجارب والتنشئة الاجتماعية، إلا أن البيئة الرقمية أوجدت واقعًا جديدًا يقوم على تقديم نسخة منتقاة من الذات. فغالبًا ما يحرص المستخدم على إظهار أفضل لحظاته وإنجازاته، بينما يغيب الجانب الآخر من حياته بما يحمله من تحديات وإخفاقات. ومع مرور الوقت، قد تنشأ فجوة بين الشخصية الحقيقية والصورة الرقمية، الأمر الذي يدفع بعض الأفراد إلى البحث عن القبول في الفضاء الافتراضي أكثر من اهتمامهم ببناء ذواتهم في الواقع. ولا يقتصر تأثير وسائل التواصل على الهوية، بل يمتد إلى الثقة بالنفس. فقد أصبحت مؤشرات التفاعل، كالإعجابات والتعليقات وعدد المتابعين، لدى بعض المستخدمين معيارًا غير مباشر لتقدير الذات. وهذا الارتباط قد يجعل الشعور بالرضا أو النجاح رهينًا بردود أفعال الآخرين، ويزيد من المقارنات المستمرة مع صور مثالية لا تعكس الحياة كما هي، مما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية ويضعف الإحساس بالقيمة الذاتية.
وفي جانب العلاقات الإنسانية، أسهمت هذه الوسائل في تقريب المسافات وتيسير التواصل بين الأفراد، إلا أنها في الوقت ذاته فرضت نمطًا جديدًا من العلاقات يغلب عليه الطابع السريع والعابر. فبرغم كثرة الرسائل وسهولة الاتصال، يبقى الحوار المباشر والتفاعل الإنساني الحقيقي أكثر قدرة على بناء الثقة وتعزيز الروابط الاجتماعية. لذلك، فإن كثرة التواصل الرقمي لا تعني بالضرورة وجود علاقات أكثر عمقًا أو استقرارًا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار ما وفرته وسائل التواصل الاجتماعي من فرص إيجابية، فقد أصبحت منصة للتعلم، وتبادل الخبرات، ونشر المعرفة، وإبراز المواهب، وإيصال الأفكار إلى جمهور واسع يتجاوز الحدود الجغرافية. كما أسهمت في دعم المبادرات المجتمعية، وتعزيز الوعي بالقضايا الإنسانية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب للإبداع والابتكار. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود وسائل التواصل الاجتماعي، بل في كيفية استخدامها. فهذه المنصات ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، وإنما أدوات تتحدد آثارها بقدر وعي مستخدمها وقدرته على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية. وفي النهاية، تبقى الشخصية الإنسانية نتاجًا للقيم والتجارب والمواقف التي يعيشها الإنسان، لا لما تعرضه الشاشات من صور عابرة. ولذلك، فإن الحفاظ على الهوية، وتعزيز الثقة بالنفس، وبناء علاقات إنسانية أصيلة، يتطلب وعيًا يجعل من وسائل التواصل وسيلةً للتطور والمعرفة، لا بديلًا عن الواقع أو معيارًا للحكم على قيمة الإنسان.


لا يوجد تعليق