رشا الخفاجي
احمد هاتف الكاتب والمخرج العراقي الكبير ابن دجلة المشاغب المشتعل بروح التحدي والمغامرة …مر قطاره بجميع محطات الحياة ..بقساوتها وغربتها وألامها الا ان الحب كان اساس اعماله كتب (هستريا ,عشاق,الوصيه ,انفلونزا ,غرباء ….) عكس واقعه ..وواقع خياله على الورق متسلحا بالحبر الحبر لا غير ..نافس البعض حاربه الجميع لم يصل للعالميه ولم يحصل على جوائز الاوسكار لكنه اكتسب قلوب جماهير مخلصة ارتشفت اعماله قهوة فاخرة …
بدأت سفينه الحديث بالابحار حين رفع الشراع متحدثا عن بدايته : لستُ علامة فارقة .. أنا علامة أستفهام دائمة ، حيث ولدتُ في السؤال ، في الداكن من العطر .. في أغنية ظلت تطول ، وتتلوى كأحجية ، لذا بقيت أصغي .. لأن كلما في طفولتي كان بسعة التعجب والدهشة ، وتابع احمد : معلمي كان نهر الحلة .. نهر أكثر أتساعا من ليل ، وأطول قامة من أعمار .. لذا بقيت وفيا للماء .. الماء الذي منه نبدأ لأن الرقرقة عمر .. والموجة لحن .. والأنعكاس أخيلة ، كيف لي أن أوقف العمر لأصفه ، من ذا الذي يستطيع أن يصف عمره ، وهو مايزال بتمام عافية الجريان .. وأردف ..سأقف لأني لم أبدأ وأعيد تكرار التدفق … يا للحلم .. أعيد تكرار التدفق .. تلك هي لعبة الحلم .. هكذا بدأت فتى على نهر الحلة يحلم بالجريان ، والذهاب الى ماوراء مخيلة الطفل .. كنت ظلا لما أريد أن أكونه ، وحين هاجمني العمر وأحاطتني الأيام .. عدتُ لأعتذر لأحلام الطفل ، تلك الواسعة كثيرا ، لأني لم أكن بسعة النهر ، وبوعيه العميق ، فــ للأنهار فلسفة يعجز العمر عن أستنباطها..
(انا لم اعرف الكتابه منذ نعومة اظافري ) هذا ما ذكرته في احد الحوارات أذن ..متى قدحت شرارتك الاولى؟
يوم أدركت الكتب ، كنت قد بدأت أعارك طفولتي ، بين أن أغادرها وأظل قيد الطفولة ، بين أن أظل ذاك الطفل الذي يجيد العراك والمشاكسة ، وبين الولد الذي تسلب كراته الكتب .. للأسف أنتصرت الكتب على الشغب ، وأنتهيت الى معهد الفنون الجميلة ، حيث الكتب أكثر مما ينبغي والأحلام أقل .. وربما أكثر ، لكني أصر أنني حين وقفت على نهر الحلة كنت أكثر أتساعا من كون مستقيم القلب … من هناك تعاطيت الكتابة ، صحفيا يبحث عن قامة رجل .. كنته فيما بعد ، ويوم عضني كلب الشهرة ، لم أكن أدرك أن تلك العضة ستولد كل هذا السعار .. ومن هنا بدأت طريق الوجع .. وأصطدمت بصخرة السيناريو فكتبت عملي الأول ، الذي تطاول ، فجر يد الثاني ، وصولا الى ” غرباء ” حيث تدفق الحلم وبدأت الضجة تعلو حولي .. كنت يافعا يومها وتصورت خطأ أني أجر العالم من أذنية
توقف الحديث حين استعرضنا شريط الذاكرة فرجعنا لاحد مشاهد مسلسل غرباء .. تظهر احدى شخوص المسلسل الطالب عادل مناجيا :
(الان ….الان وبعد مرور السنين ..واذا سقط المطر وتملكني حنين لا يوصف لان ابكي ..احس بالدنيا صغيرة ..محاصرة ..توشك ان تنتهي ..أيها الرب: الكلي القدرا ..امنحني ..امنحني القليل من الهواء لكي لا اختنق)
مسلسل حقق انجازات كبيرة طفرة نوعية خارج اطار الشكل العام ليسيناريو كتابة المسلسل العراقي ادخل وجوه جديدة…ومنافسين جدد ..
بعد نجاح (هستريا ,الغرباء ,عشاق ,الوحوش و……)ما سبب توقف يدك عن المطر؟
رد: صخرة الخوف أعلى من قدرة أقدامي على الأرتقاء ، قالوا لي أصمت ، وأخرج ، وفتحت أبواب الكوابيس والغربات والليل الأسود الطويل ، كنت أتنفس الورق ، فصرت بلا رئة ، وحيدا في مدينة قاحلة أسمها الدوحة صحافيا يتعاطى المألوف ، كنت قد بلغت سن الرشد في كتابة السيناريو ، وفي هذه الفاصلة طردت خارجا ، وبقيت الورقة بيضاء حزينة … لذا صار الحبر هو الحلم . .. تلك فاصلة أحلام أخرى .. لم يدركها الفتى الذي كان يتأمل ليل النهر في الحلة …
في الغربه تبهت الارواح ..هذا ما يرددونه …أبهت لونك في النفى ؟
في الغربة ، تصير وسادتك الصغيرة أعلى من قامة كل الأحلام .. ورقة مهملة في درجك الصغير أغلى من كل واجهات الأزياء المؤنقة ، لذا كنت أحلم بلون غرفتي ، ووسادتي ، ونسيت أن العمر مايزال يجري … أحيانا يمر العمر دون بكاء .. وتدرك أنك خسرت الأيام ، ونسيت على طاولة السنوات بعضك .. كبرتُ في منفاي ، ولم أتعاطى مايشبهني.. ومتى عدت ؟ حين أصتطدم التمثال بالأرض هرعت عائدا الى ورقي لأتنفس البقاءكتبت بعجالة رجل يدرك موته السريع ، لذا كنت متعجلا … كتبت ” كوبرا ” وأخرجته ، كنت أريد أن أشم رائحة المكان الذي خسرته ، فتعاطيت الجشع ، مؤلفا ومخرجا هذه المرة .. وتوالت الأيام وصولا الى ” أعلان حالة حب ” … حيث قررت أن أصنع علامة فارقة لحياتي .. كتبت كما لو كنت شارعا مهجورا ، أو مقهى عتيق مغلق ، أو أرجوحة مهجورة ..
ماذا حاولت ان تستعيد في صرخة قلمك الاخيرة ؟
عندما كتبت (اعلان حالة حب )كنت أريد أن أصرخ أستعيد ذاك الطفل ليحاور الحياة ، .. أحيانا أتساءل هل كان ذاك الطفل ينظر الي … وأذا نظر الي ماذا سيقول الآن … المشاغب حتما لا يعجبة مايفعل هذا الرجل … فقد كان يحلم كدكتاتور … كنت أحلم أن أقوم بأنقلاب سياسي ، وأغير وجه الوطن .. لم أكن أدرك أن للأوطان عنادا … أحيانا أتساءل كيف للحياة أن تكون بكل هذا العناد .. لماذا لاتكون الأيام قابلة للتلون كما المشهد ..
لنرجع قليلا لنقطة الانطلاق ..لما اخترت كتابة السيناريو ؟
كتبت السيناريو لأني أدرك أن تغيير العالم لم يعد ممكنا ، بمعنى أن الأنقلاب كان صعبا .. ولذا عدت لأغير العالم من خلال السيناريو .. كل ماكتبته ، كان يحلم به ذاك الولد على نهر الحلة … لهذا أنا أحقد عليه ، فلولاه كنت سأكون عسكريا رفيعا ، أو محام ناجح وربما أستاذا مميزا للأدب .. وربما سائق أجرة .. لا أدري .. لكني كنت أميل لممارسة السلطة وحين لم أجدها أبتكرت عالما ومارست سلطتي عليه … تبا لذاك الولد على ليل النهر… فقد ورطني بما لا أستطيعه .. لولاه كانت الحياة أكثر سهولة..
* بعد كل ما شهدته وعشته في مضمار الحياة مسابقات هنا ومراهنات هناك فوز وخسارة ونشوة انتصار وخيبات امل.. الا في نيتك كتابة رواية ؟كلما فكرت برواية ، أتذكر خالتي ، وأمي الأخرى ” زوجة أبي ” وأتساءل هل يمكنني أن أتفوق عليهن ؟ .. ويأتي الجواب صادما … لا يارجل .. لم ترَّ من الحياة مايؤهلك لتروي حكاية ، الحكايات أحيانا حبر العمر .. ولا يرويها بصورة جيدة كالشيوخ … سأراوغ عمري فأن أستطعت أن أبلغ الشيخوخة سأروي حكاية ، ربما تكون حكايتي أو حكاية حياة مرت بقربي ، أحيانا الحنين هو من يكتب ، بل أجزم أن الحنين هو الكاتب الأكبر .. والأكثر خطورة … أتأمل أن أبلغ ذاك الخط .. لأروي حكاية الولد على جسر الحلة

