صبرى زمزم
التفاؤل والتشاؤم طبيعتان بشريتان ينقسم حولهما الناس في كل زمان ومكان،فما من زمان خلا من أناس متشائمين ،ولا من مكان أقفر من أناس متفائلين ،وهما وجهان لعملة واحدة هى استشراف المستقبل ،
والمستقبل من هذه النظرة قد يكون اللحظة التالية وقد يكون غدا أو العام القادم أو المستقبل البعيد،ونظرة كل منا إلى القادم هى التى تحدد من أى الفريقين نحن،فإذا كانت نظرتنا مستبشرة تتوقع خيرا وأملا ساطعا كان او خافتا بعيدا كان أو قريبا فهذا يعني أننا من الفريق المتفائل،أما إذا كانت نظرة بائسة يائسة تتوقع الفشل والإخفاق والسيئ وأحيانا الأسوأ في كل أمر،فهذا مؤداه أننا من الفريق الآخر،فالفريق الأول ينظر إلى الجزء المملوء من الكوب ولو كان ضئيلا ،والفريق الآخر ينظر دائما إلى الجزء الفارغ ولا يكلف نفسه مئونة النظر إلى الجانب المملوء ولو كان كثيرا.ولعل أصدق مثال يجسد التشاؤم وما يستتبعه من نظرة سوداوية قول الشاعر اللبناني إلياس أبو شبكة:
ناقم على السماء حاقد على البشر
ثائر على القضاء ساخط على القدر
غَيرَ قَطرَة المَساء لا أُحِبُّ في السَحَر
صرت أكره الصفاء صرت أعشق الكدر
غير مشهد الدماء لست أهوى في الصور
فانظر كيف عبر الشاعر المتشائم عن طبيعته بكل وضوح لا يدع مجالا لشك في الشعور الذي ينتاب المتشائم من كراهية لقضائه وقدره وسخطه على البشر وميله إلى عشق الظلام ونزوعه إلى الكدر مما ينعكس على تأثيره فيمن حوله وإشاعة أجواء سلبية من الخوف والقلق والتوجس والريبة والشك في أى شيء وكل شيء.
وعلى النقيض من هذا نجد الشاعر اللبناني أيضا إيليا أبو ماضي ينتقد طبيعة التشاؤم ويستنكرها ويواجه السادة المتشائمين بعد أن شخص الداء يصف الدواء لهذا الإنسان المتشائم بقوله:
أيُّهذا الشّاكي وما بك داء
كن جميلا تر الوجود جميلا
هي طبيعة إذن تملك الإنسان قد لا يكون له دخل فيها ،ولكن علينا أن ننظر إلى كلا الفريقين بنظرة محايدة ،فبالرغم مما في التشاؤم من مشاعر نحذر منها وننصح المتشائمين بالتخلى عن هذه الطبيعة الظلامية والتحلي بقدر من التفاؤل يعينهم على تسيير حياتهم ونشر البهجة في نفوسهم أولا وفي نفوس من يعيشون معهم ثانيا،إلا أننا لسنا مع المتفائلين على طول الخط ، فالإسراف في كل شيء نقيصة فالإسراف في التفاؤل قد يفضي إلى الإحباط الشديد إذا جاءت النتائج على عكس المتوقع تماما،فعلى المتفائل أن يتحلى بقدر قليل من التشاؤم أو سوء الظن يقيه هذا الإحباط ،لأن الحياة ليست كلها صفاء بلا كدر بل فيها هذا وذاك ،فخذ لكل أمر عدته ولكل معركة عتادها ثم توكل على الله ثم ارض في الحالين بما كتبه الله لك»لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» صدق الله العظيم.

