Pdf copy 1

هاني شادي
بعد اختفاء عن الأنظار لمدة عشرة أيام متواصلة، عاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للظهور العلني مجدداً في لقاء جمعه بنظيره القيرغيزي بمدينة بطرسبورغ في السادس عشر من آذار الجاري. وعلّق بوتين على الشائعات التي دارت حول هذا الاختفاء، قائلاً «إن الأمر سيكون مملاً من دون ثرثرة». لقد أدّى بُعد الرئيس الروسي عن الأنظار، وهو الرجل الأول والأقوى في الدولة الروسية، إلى اطلاق الكثير من التكهنات والشائعات. ففي البداية قيل إن بوتين أصيب بوعكة صحية، ومن ثم جرى تأجيل لقاء كان مقرراً مع الرئيسين الكازاخي والبيلاروسي في العاصمة الكازاخية الاسبوع الماضي. وفي هذا السياق، ذكرت إحدى الصحف النمساوية أن طبيباً نمساوياً وصل موسكو لعلاج بوتين من آلام قديمة في العمود الفقري كان يعاني منها. وامتدت الشائعات والتكهنات إلى حياة الرئيس الروسي الشخصية، حيث أشاع البعض أن بوتين في سويسرا بجوار صديقته لاعبة الجمباز الروسية السابقة، إلينا كابايفا، التي وضعت مولوداً منه. بيد أن المتحدث الصحافي باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، نفى كل ما يتعلق بمرض الرئيس، ونفى أيضا قصة «المولود».
ووصلت التكهنات والشائعات ذروتها بنشر الموقع الالكتروني لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية ظُهر الأحد الماضي فرضية احتمال وقوع انقلاب على الرئيس الروسي واعتقاله، مع الإشارة إلى وجود تعزيزات أمنية وعسكرية مشددة حول أسوار مبنى الكرملين. علماً أن أي إجراءات أمنية غير طبيعية لم تكن موجودة في اليوم المذكور. وذهبت مواقع الكترونية لوسائل إعلام غربية إلى أبعد من ذلك، فحددت اسم قائد «الانقلاب المُتخيّل»، ليتضح أنه نيكولاي باتروشيف، السكرتير الحالي لمجلس الأمن القومي الروسي ورئيس جهاز الأمن الفيدرالي السابق.
واللافت أنه في ظل تصاعد الشائعات المتعلقة باختفاء الرئيس الروسي عن الأنظار والأسباب المحتملة لهذا الاختفاء، التزمت معظم وسائل الإعلام الروسية الصمت التام، وكأن ما يجري هو من الأمور الطبيعية التي لا تحتاج إلى التقصي أو البحث عن الحقيقة. وبذلك، واصلت وسائل الإعلام الروسية خسارتها في الحرب الإعلامية المفتوحة مع الاعلام الغربي. عماً أن أمراً مماثلاً كان قد حدث أثناء الحرب الروسية ـ الجورجية في 2008، باعتراف مسؤولين روس آنذاك. غير أن بعض المواقع الالكترونية الروسية المُعارضة للرئيس الروسي، وهي قليلة، أشار قبل انطلاق التكهنات والشائعات الغربية حول أسباب اختفاء زعيم الكرملين، وعلى لسان بعض الكتاب الروس ذوي التوجهات الليبرالية، إلى وجود صراعات وتباينات داخل المجموعات المحيطة بالرئيس بوتين على خلفية الأزمة الأوكرانية والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا. لكن الأمر لم يصل بأي من هذه المواقع المُعارضة إلى حدّ تخيّل فرضية وقوع انقلاب على بوتين.
وتدور في الغرف المغلقة في موسكو الكثير من الأقاويل حول امتعاض كبار رجال الأعمال الروس (الأوليغاركية) أو قسم منهم من المواجهة الحالية مع الغرب. فقد أدّت العقوبات إلى حرمان رجال الأعمال الكبار والبنوك والشركات الحكومية الروسية من الاقتراض الدولي، الذي كانوا يحصلون عليه بأسعار فائدة غير كبيرة، ثم يعيدون إقراض هذه الأموال بأسعار فائدة مرتفعة داخل روسيا. كما فرضت هذه العقوبات تجميداً على أموال بعض رجال الأعمال والشركات الروسية في أوروبا والولايات المتحدة. ويتحدث البعض في موسكو أيضاً عن إجراءات حرمت كبار رجال الأعمال الروس من تحويل أموالهم إلى الخارج في محاولة لوقف هروب رؤوس الأموال. يُضاف إلى ذلك أن إيرادات الشركات النفطية الروسية الكبيرة تراجعت بشكل لافت مع هبوط أسعار النفط العالمية. وأدى التراجع الضخم لسعر صرف العملة الروسية «الروبل» مقارنة بمطلع العام 2014، إلى ارتفاع أسعار الواردات الروسية وارتفاع معدلات التضخم الداخلية. وبات واضحاً أن بعض المحال الكبرى في روسيا شرعت في إغلاق عدد من فروعها والاستغناء عن قسم غير قليل من العاملين فيها، في ظل تكهنات البنك المركزي الروسي بانكماش الاقتصاد بـــ 4 في المئة، على الأقل، بنهاية العام الجاري.
وكانت وسائل إعلام روسية في خريف العام 2014، قد أطلقت الكثير من التكهنات حول صراعات وتباينات داخل النخبة الحاكمة ومدى سيطرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الحكم. فقد نشر الكسندر دوغين، زعيم «حركة أورواسيا» الدولية، مقالة حذر فيها من احتمال وقوع «انقلاب» على بوتين من داخل النخبة الحاكمة نفسها على خلفية الأزمة الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية الغربية. وذكّر دوغين وأنصاره أن النخبة هذه تحوي «طابوراً سادساً» مكوّناً من بعض كبار الأوليغاركية والسياسيين والبيروقراطية، الذين لا يروق لهم موقف بوتين من أوكرانيا لأن العقوبات الاقتصادية أضرّت بمصالحهم وأموالهم. وشدّد دوغين في مقالته على أن «الطابور السادس» هذا على استعداد للتخلص من بوتين لمصلحة الولايات المتحدة، معتبراً أن هؤلاء أخطر ممن يُطلق عليهم «الطابور الخامس»، المكوّن من الليبراليين والمعارضين الذين يعملون من خارج النظام السياسي القائم.
بعد ظهور بوتين من جديد بشكل علني، لا يستبعد البعض أن يُقدم على اتخاذ حزمة إجراءات تؤدي إلى تغييرات في المجموعات أو الفرق المحيطة به، وتشديد موقفه أكثر تجاه الولايات المتحدة والغرب بسبب الأزمة الأوكرانية. ويدلّل هؤلاء على ذلك بأن أول قرار اتخذه زعيم الكرملين مع عودته إلى الظهور، كان إعلان حالة الاستعداد القتالي في شمال روسيا ومواصلة إجراء المناورات العسكرية في أكثر من مكان من البلاد.
لقد انتهت قصة اختفاء الرئيس الروسي بظهوره مجدداً. لكننا لم نعرف الأسباب الحقيقية وراء هذه القصة. فكل ما عرفناه تكهنات وشائعات، لا يُستبعد تكاثُرها مستقبلاً. مع ذلك، نعتقد أن خُطوات وإجراءات الرئيس الروسي القادمة قد تكشف عن سر هذا الاختفاء الغامض.

التعليقات معطلة