طارق عزيزة
الضربات الموجعة التي تلقاها تنظيم «داعش» في العراق وسورية، وأدت إلى خسارته بعض مناطق «دولة الخلافة» المزعومة، لم تحل دون إعلان مزيدٍ من المنظمات الجهادية انضمامها إليه. آخر المنضمّين، كانت حركة «أهل السنة للدعوة والجهاد»، المعروفة باسم «بوكو حرام»، التي تسيطر على مساحات واسعة من المناطق ذات الغالبية المسلمة في شمال شرقي نيجيريا. فقد أعلن زعيمها أبو بكر شيكاو، مبايعة البغدادي، زعيم «داعش»، على السمع والطاعة واصفاً إياه بـ «خليفة المسلمين»، وقد قبل «داعش» المبايعة.
سبق لشيكاو إعلان «الخلافة الإسلامية»، كما سيأتي بيانه، غير أنّ «بيعته» الأخيرة للبغدادي، في وضوحها وتوقيتها، تكتسي أهمية مشتركة لكلا التنظيمين الإرهابيين.ذهب بعضهم إلى التقليل من أهمية الخبر، معتبرين أنه مجرد «مكسب إعلامي» يسعى «داعش» من خلاله إلى التعويض عن خسائره الأخيرة. لكنْ يغيب عن أصحاب هذا الرأي، ما يحققه «مكسب إعلامي» كهذا من إعطاء «داعش» مزيداً من «الشرعية» التي يسعى إلى تكريسها في مجتمع «الجهاد العالمي»، ما يتيح له تجنيد أعداد إضافية من مجانين الجهاد. كما أنّ ذلك يمنح التنظيم فرصة فتح جبهات إضافية تمكّنه من التأثير في مصالح دول أساسية مشتركة في التحالف الدولي ضدّه، كفرنسا والولايات المتحدة. ومعلومٌ ما لغرب أفريقيا من أهمية استراتيجية كبرى في سياسة الأولى، وأن نيجيريا تحديداً، من أكبر الشركاء التجاريين للأخيرة في أفريقيا، عدا عن كونها أحد أبرز مصادرها النفطية.إلى ذلك، فإنّ متابعة تطور المشهد الجهادي في غرب أفريقيا وشمالها، تدفع إلى القول إن هذه الخطوة إنما هي استمرار للانتشار الواسع الذي حققه التنظيم هناك. ذلك أن الكثير من جماعات ما يعرف بـ «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، خرجت عن التنظيم الأم وباتت تنضوي تحت راية البغدادي.
ابتداءً من صيف العام الماضي دخل جهاديو شمال أفريقيا أفواجاً إلى دائرة نفوذ «داعش». فقد جرى الإعلان في الجزائر عن تأسيس ما سمّي «جند الخلافة في الجزائر»، وهو تشكيل ضمّ عدداً من الكتائب والسرايا انشقّت عن «القاعدة» وبايعت «دولة الخلافة» الداعشية، معلنةً «أنهم جند للخلافة في الجزائر، وسهام تنتظر أمر البغدادي ليرمي بها حيث شاء». تجدر الإشارة هنا إلى الثقل الكبير لجهاديي الجزائر في أوساط «القاعدة»، حيث أن ولادة «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، عام 2007، هي نتيجة اندماج «الجماعة السلفية للدعوة والقتال» الجزائرية بتنظيم بن لادن، ما يعني، عملياً، انتقال هذا الثقل الآن الى مصلحة أبي بكر البغدادي، في صراعه مع أيمن الظواهري، زعيم «القاعدة»، على قيادة «الجهاد العالمي».
كذلك فعلت «كتيبة عقبة بن نافع» في تونس، ومثلها تنظيم «أنصار الشريعة في تونس»، الذي بايع زعيمه سيف الدين الرايس «داعش»، داعياً أتباعه إلى نصرة «إخوانهم المسلمين في العراق وسورية». ثمّ في تشرين الأول (أكتوبر)، وعقب إقامته «إمارة إسلامية» في مدينة درنة شرق ليبيا، أعلن «مجلس شورى شباب الإسلام» انضمامه إلى دولة البغدادي، وصولاً إلى خطوة «بوكو حرام» النيجيرية أخيراً في الاتجاه نفسه، والتي تأتي أهميتها من كونها صدرت عن أكبر الحركات الجهادية وأكثرها قوة في بلد يزيد عدد سكانه عن الـ150 مليون نسمة نصفهم من المسلمين، ويحتل مرتبة متقدّمة في سلّم الدول المصدّرة للنفط في العالم.
اللافت أن شوكة الإرهاب اشتدّت في نيجيريا على غرار ما حصل في المشرق العربي، حين أدى التلكؤ الغربي في التعامل بجدية مع الخطر الإرهابي، إلى صعود قياسي لتنظيم البغدادي. ففي 17 أيار (مايو) 2014، وبدعوة من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، استضافت باريس قمّة لرؤساء نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر وبنين، شارك فيها ممثلون للولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الاوروبي، بهدف وضع خطة تحرّك إقليمية للتصدّي لجماعة «بوكو حرام». حينها، صرّح أحد الرؤساء المجتمعين بالقول: «نحن هنا لنعلن الحرب على بوكو حرام». لم يتعدّ التصريح الاستهلاك الإعلامي، إذ لم يعقب القمّة أثر جدّي فاعل على الأرض، واستمر مسلحو «بوكو حرام» في التقدم، ليعلن زعيمهم أبو بكر شيكاو الخلافة، في 24 آب (أغسطس)، بعد سيطرة مسلّحيه على إحدى بلدات ولاية بورنو شمال شرق نيجيريا.اليوم، وفي ضوء قرار الاتحاد الأفريقي إرسال قوة إقليمية لمواجهة الجماعة المتطرفة، فإنّ إعلان «بوكو حرام» الولاء لـ «داعش»، سيتيح لها فرصة الاستفادة من ارتباطات الجماعات الجهادية الأفريقية العاملة تحت مظلة التنظيم على امتداد «بلاد المغرب الإسلامي»، وهو ما يمكّنها من حشد مزيد من الدعم هي بأمسّ الحاجة إليه بعد خسارتها عدداً من معاقلها أخيراً، واستعداداً للمواجهات المقبلة مع القوة الأفريقية.على أنّ المصلحة الآنية لا تفسّر وحدها خطوة «بوكو حرام». فإلى جانب الخلفية العقائدية المشتركة، كانت الجماعة النيجيرية سبّاقة في انتهاج الأساليب وترتيب الأولويات على النحو ذاته الذي يسير عليه «داعش»، لا سيما الإفراط في التوحّش: ذبح، سبي، إحراق قرى… بخاصّة بعد تولّي شيكاو قيادة الحركة عام 2006، خلفاً لزعيمها المؤسس محمد يوسف الخارج من عباءة «الإخوان المسلمين». فهو تتلمذ على يد إبراهيم الزكزكي، مؤسس تنظيم الإخوان في نيجيريا (مرةً تلو أخرى يتكشّف الجذر الإخواني للإرهاب)، قبل أن يؤسس يوسف منظمته ويستمر في قيادتها حتى اعتقاله والحكم عليه بالإعدام. ومنذ توليه القيادة، هدّد شيكاو بمهاجمة المصالح الغربية في نيجيريا انتقاماً لسلفه، وأعلن إصراره على «الجهاد حتى الموت»، وأن هدفه هو «إقامة الدولة الإسلامية».

