حسن الكعبي
تعد اناشيد الحرب من الضرورات في ميادين النزال او ساحات الحرب بوصفها – اي الاناشيد – من الفواعل النفسية في اثارة الحماسة لدى المقاتلين ودفعهم باتجاه التفاني وشد العزيمة في القتال، كما انها تسهم في اثارة الخوف لدى العدو عندما تقزم صورته في سياق تجسيد الصورة البطولية للمقاتلين الذين من اجلهم وضعت هذه الاناشيد وألفت كلماتها، بمعنى ان الاناشيد في رسهما لصورة القتال تنتج دلالة مزدوجة تعلي من شأن ابطالها وتصنع ملحميتهم وتحط من شأن اعدائها في رسم صورة كابوسية لنهاياتهم الحتمية في المشاهد الملحمية التي تسعى الاناشيد الى صياغتها على نحو مدروس، اي انها تراعي الابعاد النفسية لأبطالها ولأضدادهم في الوقت نفسه في سياق تفاعل الطرف الاول مع الصورة البطولية المرسومة له وتأثر الطرف الضد بهذه الصورة الى الحدود التي تجعل وعيه فريسة متخيلات كابوسية ترسم قزميته ونهايته بقوة، وبذلك تحقق الاناشيد مقصدياتها النفسية المستندة الى الايمان بقدرة الصورة على تحفيز الاشياء ونقائضها وقوة التوتر بينهما.
إن الاناشيد وفاعليتها في الحرب ليست وليدة العصر او انها من مبتكرات عصر الحروب الحديثة وإنما ترجع الى عصور الحروب الملحمية والتاريخية لكن بشكلها البدائي الذي لم يتعرف بعد على تقانات اللحن والموسيقى وتلوينات الاداء، فالأنشودة في ذلك العصر تعبر عنها القصائد الحماسية او الاراجيز والخطب الارتجالية التي يؤديها ابطال المعارك بحركات تتساوق وتتفاعل مع كلمات التفاخر والتعالي وتضخيم (الأنا) وإضفاء صفات اسطورية خارقة عليها وتقزيم الآخر بصورة تؤكد حتمية نهايته في حال المواجهة، وقد كان هذا النمط في ادارة الحروب مثمرا الى الحدود التي يخبرنا فيها التاريخ عن تفوق أبطال وأقوام على خصومهم نتيجة ما يمتلكه هؤلاء الابطال وما تمتلكه تلك الاقوام من قدرات بلاغية في التصوير قادرة على خلق منظومة من التخيلات التي تثير الرعب في نفس الخصوم العاجزين عن خلق منظومة مضادة لهذه التخيلات، ولربما لهذا السبب اقترنت الفروسية بالشعر والشجاعة والفصاحة والبلاغة في ذلك الوقت، مع وجود فرسان ليسوا بشعراء او بلغاء لكن ذلك كان يعد من العيوب في تلك الفترة.
في سياق هذه المراجعة التاريخية لأناشيد الحرب فان القصد هو تأكيد ضرورة وفاعلية هذه الاناشيد في تحقيق اهداف النصر، والتعامل مع الاناشيد بوصفها ستراتيجية من ستراتيجيات الحرب مما يقتضي اخضاع النشيد قبل تنفيذه الى دراسة تفحص الصياغات اللغوية ومدى تأثيراتها النفسية وفاعليتها وارتباطها مع اللحن والموسيقى في تكوين الصورة المنتجة لهذه التأثيرات النفسية وصولا الى الاداء وقوة تأثيره وقدرته على التلوين في تحفيز المشاعر، الامر الذي يقتضي وجود موهبة كبيرة تمتلك حضورا قويا في ممارسة سحرها في تحفيز وانفعال مشاعر المتلقي وتحفيز انفعالاته، اي الوصول الى تحقيق المقصديات المنشودة من وراء صناعة النشيد، بمعنى تحويل الفن الى جبهة دعم تضاهي جبهات الحرب الفعلية وتتلاحم معها، خصوصا اذا كانت تلك الحرب عادلة كحربنا على الارهاب الداعشي، ما يقتضي وجود جهود مضاعفة ومدروسة في صناعة الانشودة وايلائها عناية استثنائية تبرز الجوانب الانسانية والعادلة لهذه الحرب لتأخذ بذلك وظيفة إعلامية تثقيفية الى جانب وظيفتها الفنية التعبوية، لكن
ذلك لم يتحقق في غالبية الاناشيد المنتجة لهذا الغرض منذ خوض الحرب على الارهاب وحتى هذا اللحظة التي تشهد تقهقره.
توجد بعض الاناشيد التي حققت شروط النجاح على مستوى موهبة الكلمة وعلى مستوى موهبة الاداء واللحن، والتي حققت مقصدياتها في سياق رسم صورة تستعرض تاريخ البطولة العراقية في مواجهة تحديات الارهاب ومواجهة الاطماع التاريخية بالإرث الحضاري العراقي من قبل قوى لا يستهان بها ولا يمكن ان تقاس بعصابة متشرذمة وجبانة مثل “داعش”، وهذه النوعية من التصوير تحقق شروط نجاحها من خلال اثارة الحماسة والفخر لدى الذات وهي تستعرض ارثها التاريخي في المواجهة كما انها تقزم الآخر في سياق رؤيتها لانكسار أسلافه التاريخيين.
إن قراءة النجاح لأي منتوج فني او ثقافي يكمن في طابع التداول المتعلق بدائرة التلقي، وطبعا فان دائرة التلقي للأناشيد هي القاعدة الشعبية التي تتمثلها وتعيد انتاجها، وهو الامر الذي توافرت عليه بعض الاناشيد، لكن غالبية هذه الاناشيد لم تتوافر على اي من هذه الشروط، نتيجة ركاكة الكلمة وغياب الموهبة الادائية واللحنية، بمعنى انها لم ترتق الى ادنى مستوى من مستويات الانجازات الكبيرة التي حققها العراق في حربه على الارهاب، الامر الذي يستدعي التعاطي مع الاناشيد بجدية لضرورتها في المؤازرة في الحروب العادلة على ضوء ما استعرضناه لتاريخية الاناشيد وفاعليتها في المساندة والتوثيق التاريخي والملحمي لمفهوم البطولة.

