Pdf copy 1

عباس عبد الرزاق الصباغ

لا يختلف مؤتمر قمة شرم الشيخ (مصر 2015) كثيرا عن مؤتمرات القمة الكلاسيكية العربية التي كانت عبارة عن  لقاءات روتينية دورية  للزعماء العرب ومنذ ان عُقد اول مؤتمر قمة عربي في (الاسكندرية 1964) التي عادة ما تبدأ بمراسيم بروتوكولية مخملية فضفاضة ويتخلل جلساتها الكثير من النقاشات والجدالات الساخنة وبرطانات لهجوية مختلفة تمثل النسيج السياسي والديموغرافي لجامعة الدول العربية التي ترعى هذه الاجتماعات بالتنسيق مع الدول المضيفة، وعادة ما تنتهي هذه المؤتمرات ببيانات ختامية تبقى نتائجها مفتوحة وببنود طالما بقيت حبرا على ورق في حين تبقى الإشكالية الرئيسية التي بصددها تعقد مؤتمرات القمة بدون خارطة طريق جدية للحل. 
وطيلة نصف قرن من عقد اول مؤتمر قمة عربي وحتى آخر مؤتمر لم يلمس الواقع العربي تحركا جذريا ملموسا لحل مشاكله وأزماته الكثيرة المستعصية كالقضية الفلسطينية التي تعد بندا روتينيا ثابتا في مجمل البيانات الختامية التي تصدر عن مؤتمرات القمة العربية و”بتوصيات” لايجد المطلع النبيه صعوبة في استقراء واستشراف أبعادها المستقبلية كونها لن ترى النور مطلقا، وكذلك القضية اللبنانية فضلا عن قضايا مأزومة وشائكة اخرى لم تستطع اية قمة عربية من حل عُقدها المستحكمة وفك طلاسمها والوصول الى حلول سياسية ناجعة لها كالأزمة السورية وقضية الإرهاب الذي استفحل منذ اكثر من عقد في العراق او على اقل تقدير تقديم الدعم الإنساني المطلوب لدول هي أعضاء رئيسة في جامعة الدول العربية ( تأسست سنة 1946) كالعراق وسوريا واليمن.
ولكن مؤتمر شرم الشيخ وان كان لايختلف في مقارباته عن المؤتمرات السالفة له الا انه عُقد في مناخ عربي وإقليمي مضطرب ومتأزم وملتهب ومتوتر والحرائق العربية منتشرة في كل مكان وتداعياتها الخطيرة بإمكانها ان تحرق كل شيء فيمتد اللهب من المحيط الى الخليج، ففي العراق لا يزال ملف الإرهاب يدق نواقيس الخطر ويحظى باهتمام وقلق دوليين ولكن دون ان يحظى بأية “قمة” عربية واحدة تخرج “بتوصيات” من شأنها ان تحد من هذا الخطر الذي بدأ يطال الجميع دون استثناء وما الحوادث الإرهابية في سيناء وتونس وليبيا وبعض الدول الاوروبية إلا امثلة ملموسة على تغّول خطر الإرهاب الذي ضرب ضربته النوعية الكبرى في العراق الذي يتخندق شعبه في حرب ضروس ضد تنظيم “داعش” الظلامي المتوحش.
وعُقد مؤتمر شرخ الشيخ بعد ساعات من شن هجوم عسكري واسع من قبل تحالف إقليمي تقوده السعودية على جماعة  الحوثيين في اليمن بحجة إرجاع “الشرعية ” السياسية لهذا البلد بعملية سميت (عاصفة الحزم) وبحجة انها جاءت بطلب من الرئيس اليمني هادي نفسه وبمباركة الجامعة العربية ولكن دون تفويض أممي وبعشر دول مشاركة أبرزها مصر والإمارات العربية وبدعم دول اخرى (بدون مشاركة) أبرزها الولايات المتحدة وبريطانيا ومعارضة دول اخرى أبرزها الصين وروسيا والعراق وايران. وتشي عاصفة الحزم بتخطيط بعض الأطراف المشاركة والمؤيدة لعودة ترتيب الاوراق القديمة لبعث السيناريو القديم لشرطي الخليج وتحت خيمة درع الجزيرة وبدواعٍ طائفية مكشوفة المقاصد والمرامي. 
وقد خلا البيان الختامي ذي البنود الـ 11 من اية إشارة مهمة تخص الشأن العراقي ماعدا بعض “التعهدات” بالوقوف مع الشعب العراقي في محنته والأماني المغلّفة بالمجاملات التي لاوزن لها حيال ما يتعرض له العراق من تحديات مصيرية تتطلب من “الاشقاء ” الوقوف معه قلبا وقالبا وبكل مايتاح من إمكانات وعلى غرار عاصفة الحزم التي يراد منها التدخل في شأن داخلي لدولة عربية مستقلة وتغيير بوصلة الصراع الداخلي فيها وفق اجندات اقليمية سيا/ طائفية وقد يفضي هذا التدخل الى حدوث حرب اهلية مدمرة في اليمن لها تداعيات على مجمل امن المنطقة.
وهو اول مؤتمر قمة عربي يشارك فيه العراق بعد ترميم جميع علاقاته مع محيطه الإقليمي ومجاله الحيوي العربي وفتح صفحات جديدة مع جميع الدول التي اتسمت علاقات العراق معها بالتعثر او المقاطعة لاي سبب كان. ان هذه  “القمة”   وان عُقدت  بسبب مآلات المشهد  اليمني الخطيرة  الا انها لم تكن  عند حسن ظن العراقيين وفي مستوى قناعتهم بضرورة وقوف محيطهم العربي معهم، تلك الضرورة التي عبّر عنها الرئيس معصوم في كلمته أثناء المؤتمر حيث اكد حاجة العراق الى عقد مؤتمر دولي بمشاركة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدولة المانحة لمعالجة مشكلة النازحين العراقيين المنتشرين في تسع محافظات عراقية وفي ظل أزمة  العراق المالية  فضلا عن آلاف السوريين  الذين هربوا او  هجّرهم تنظيم “داعش” الإرهابي وهي قضية لم تخرج عن الحدود  البروتوكولية والشعاراتية والمجاملاتية الزائفة  في المؤتمر الذي مر على قضية العراق مرور “الكرام” ولم يتحقق الحد الادنى مما يطمح اليه العراقيون من “اشقائهم” العرب.

التعليقات معطلة