المستقبل العراقي/متابعة
تقتضي طبيعة عمل العديد من الآباء والأمهات العمل ساعات إضافية يوم الجمعة او ايام العطلة ، ما أفقد هذا اليوم خصوصيته وصبغته العائلية التي نشأ عليها الكثيرون.
“منذ سنوات لم أحصل على إجازة يوم الجمعة”، هذا ماقاله السيد وليد حداد “50 “ سنة،الذي أجبرته ظروفه الاقتصادية على العمل يوم الجمعة، حتى يؤمن مصدر دخل إضافيا، يتمكن من خلاله متابعة تدريس أبنائه في الجامعة.
ويضيف “عملي يوم الجمعة أثر كثيرا على أبنائي”، لافتا إلى أن غيابه عن غداء يوم الجمعة الذي اعتاد على مشاركة أبنائه فيه والخروج معهم وتأدية الواجبات الاجتماعية، سبب له العديد من المشاكل، إلا أنه وفي المقابل بات تأمين احتياجات البيت والأولاد بالنسبة له حاجة ملحة.
من جهتها اكدت السيدة الرماحي افتقادها “لمة “يوم الجمعة والجو العائلي الذي يجمعها بأشقائها ووالديها بعد أن تطلبت طبيعة عملها العمل في هذا اليوم.
وتبين أنها لم تعد تشعر بطعم عطلة نهاية الأسبوع، حتى أنها لم تشارك في أي مناسبة اجتماعية منذ سنوات.
ويوم الجمعة له خصوصيته وأهميته عند الكثير من الأبناء، الذين يعتبرونه وقتا لقضاء أطول فترة ممكنة مع الوالدين، وهذا ما ينغص فرحة الطفل عبدالله راضي (6 أعوام)، الذي افتقد طعم ومعنى هذا اليوم منذ شهور، بسبب اضطرار والده للعمل.
ويقول “لا أشعر بنكهة الأكل إلا حين يشاركنا والدي تناول الطعام”، مبديا حزنه الشديد خصوصا عندما يبدأ أصدقاؤه الحديث عن نشاطاتهم التي يقومون بها يوم الجمعة برفقة والديهم.
وتتطلب طبيعة عمل االسيدة فداء مالك “42 “ سنة ،التي تعمل مصففة للشعر في أحد الصالونات أن تذهب للعمل يوم الجمعة، الأمر الذي يمنعها من رؤية أبنائها والجلوس معهم، لا سيما وأنها تعود إلى المنزل مساء بسبب ضغوطات العمل في هذا اليوم تحديدا.
وتقول “أحاول قدر الإمكان تعويض أبنائي عن غيابي ولكن بدون جدوى، خصوصا وأن الأمر يؤثر عليهم كثيرا، وتحديدا عندما تكون هنالك مناسبة يرغبون في الذهاب إليها برفقتي”.
اختصاصي علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان، يرى أن تربية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الأبوين وهي تحتاج إلى إعداد وممارسة وخبرة والاستعانة بالآخرين إن لزم الأمر، مؤكدا أنه لابد من إعداد الزوجين لتربية الأبناء.
ويلفت إلى ضرورة أن يقضي الآباء فترة كافية مع الأبناء، وأن لا تكون هذه الفترات منقطعة، وإذا اضطر أحد الأبوين للغياب، فلابد من تعويض ذلك من خلال الاتصال بالهاتف واقتناص فرصة مناسبة لقضائها مع الأبناء.
وتكمن مسؤولية المجتمع، كما يقول، بتوحيد أيام العطل وعدم اللجوء إلى الدوام إلا الذين تقتضي طبيعة عملهم ذلك، ويكون على نظام المناوبة، بحيث لا يكون الدوام متتابعا لأسابيع عدة، موضحا “تربية الأبناء مسؤولية الجميع وأثرها الإيجابي أو السلبي ليس فقط على الأسرة وإنما على الأمة بشكل عام”.
وينصح سرحان من يعملون يوم الجمعة، بقضاء وقت خلال أيام الأسبوع بالسهر مع أبنائهم وترفيههم وخلق نوع من تغيير الجو، وإن كان فيها نوع من المشقة عليهم، تعويضا لهم على ما فاتهم في العطلة.
ويرى سرحان ضرورة الحرص على عدم غياب كلا الأبوين عن الأسرة خلال العطلة، وهذا يتطلب التنسيق وتعاون الجهات ذات العلاقة في ذلك، مضيفا “أي أن تكون هناك مسؤولية اجتماعية لدى أصحاب العمل، بتعاون العاملين مع الأم والأب”، لافتا إلى أن من حقهما أن يحظيا بإجازة بيوم العطلة الرسمية المعتمدة.
وفي مجال علم النفس، يلفت اختصاصي علم النفس الدكتور موسى مطر، إلى أهمية قضاء الوالدين أكبر وقت ممكن مع الأبناء، الأمر الذي ينعكس بصورة إيجابية على نفسيتهم.
ويشير إلى أن ذهاب أحد الوالدين أو كليهما للعمل يوم الجمعة وإن كان لظروف خارجة على إرادتهما، يحدث نوعا من الإحباط عند الأبناء، الذين ينتظرون يوم العطلة بفارغ الصبر.
ويلفت مطر إلى أن الكثير من العائلات تعتبر الجمعة يوما للعائلة، وهو ما يزيد من أهميته عند الأبناء الذي يفرحون لمجالسة والديهم.
ويؤكد أن استحواذ العمل على الجزء الأكبر من وقت رب الأسرة المخصص للاستراحة، ينعكس سلباً على حالته النفسية، فيبدو مرهقاً طوال اليوم ومشتتاً بين التزاماته في العمل والبيت.
ويضيف “ينعكس انشغال رب الأسرة على الزوجة والأبناء، فلا ينالون الاهتمام والوقت الكافي للتمتع بلحظات جميلة معه، وغالباً ما تقتصر اللقاءات المطولة على وقت فراغه، فيضطر إلى أن يتفرغ لهم على حساب راحته الشخصية”، لافتا إلى الآثار النفسية والاجتماعية التي تنجم عن دوام الوالدين وتأثيرها على الأبناء، بسبب عدم منحهم الاهتمام والانتباه الكافي لوجودهم، كذلك منحهم العطف، وبخاصة إن كان الأبوان يعانيان المشكلة نفسها.

