Pdf copy 1

 برهان المفتي
تعتمد  الحركة الصناعية على وجود المواد الأولية ثم العمليات التصنيعية لتحويل تلك المواد الأساسية إلى المنتوج النهائي ثم التسويق، وبين تلك العمليات المتتابعة هناك عمليات مساندة  تكملها للحصول على أفضل النتائج بجودة عالية يبحث عنها المستهلك والزبون.
وبسبب تحديات توفر الموارد (البشرية والتقنية) أو بسبب صعوبة توفير مساحات لإنشاء المصانع، أو بسبب قيود أنظمة بيئية محددة، وربما بسبب صعوبة الدخول إلى أسواق بعينها لبيع المنتوج النهائي، فان وجود حركة صناعية متكاملة (ابتداءً من المواد الأولية وانتهاءً بالبيع) أصبح أمراً نادراً في عالم اليوم، فلا يوجد جهاز قطعه جميعاً من مصنع واحد أو منشأ واحد، ووراء ذلك أسباب متعددة.
ففي الجانب الإقتصادي، تكون الأيدي العاملة في بعض الدول أقل تكلفة من غيرها، فالدول الآسيوية كالصين وفيتنام وماليزيا فيها أيدي عاملة رخيصة تغري الشركات الكبرى بأن تتجه نحوها لإنشاء مصانع لها هناك تنتج قطعاً معينة كتلك التي يكون استهلاكها عاليا، وبالتالي تحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة، ولذلك  يكون التوجه إلى الأسواق ذات الأيدي العاملة المتوفرة توجهاً اقتصادياً بإمتياز. 
وفي جانب صعوبة توفير المساحات لإنشاء المصانع، فإن هناك دولاً كثيرة فيها مساحات غير مستغلة وتكون جاذبة للاستثمارات، فتتجه الشركات الكبرى لإنشاء مصانعها فيها حيث تكون تلك المساحات الشاغرة قليلة الكلفة وذات ربحية عالية وسعر الخدمات فيها قليل جداً بالمقارنة مع أسعار إنشاء مصانع في مدن ذات مساحات محددة حيث تكون الخدمات أيضأ مكلفة بسسب الحمل الزائد والطلب العالي لها.  
وأما الجانب البيئي فهو مرتبط بالقوانين البيئية التي تحدد النشاط الصناعي والعمليات التصنيعية وما تنتج منها من مخلفات صناعية وانبعاثات، إذ تحدد القوانين البيئية الصارمة نسبة المسموح  من الانبعاثات وتفرض نظاماً بيئياً صارماً لمعالجة النفايات الصناعية، مثل هذه القوانين تدفع أصحاب الشركات الكبرى  للبحث عن دول أقل تشدداً في مثل هذه القوانين لإنشاء مصانعها هناك.لهذه الأسباب، أصبحت هناك دول نشطة في التسويق، ودول أخرى نشطة في التصنيع وأخرى نشطة في تجارة المواد الأولية، تربطها ببعضها علاقات تجارية مضمونة تكفلها الاتفاقات الموقعة بينها وقوانين الاستثمار في كل دولة بحالها. ولأن الحاجة الاقتصادية تتطلب اجراءات فنية بمردود سريع، ولأن بناء مصنع متكامل من الألف للياء في دولة ما يتطلب إجراءات حكومية طويلة ومعقدة من أجل استحصال الموافقات الإدارية والتخصيصات المالية، فان الحل يكمن في تجزئة التصنيع إلى مراحل، وكل مرحلة في مكان أو دولة، وهو الحل الذي اتجه إليه واعتمده كبار المنتجين والصناعيين في العالم، ففي عالم السيارات، لا نجد سيارة كاملة منتجة كلها من مصنع واحد في دولة واحدة، بل أن السيارة هي نتاج تعاون تصنيعي بين مصانع في دول متعددة تملكها الشركة صاحبة العلامة التجارية، لإنتاج سيارة متكاملة تحمل العلامة المعروفة التي ترمز للشركة المعنية، وكذلك في عالم الكمبيوترات، فالشاشات من منشأ، والمعالجات من منشأ آخر. وحين ننظر إلى صناعة البتروكيمياويات، نجد أن اليابان هي المنتجة المتميزة للمنتجات البتروكيمياوية رغم أنها تستورد البولي أثيلين وهي المادة الاولية الرئيسية للصناعات البتروكيمياوية، وذلك أفضل لها من الناحية التصنيعية والاقتصادية وحتى البيئية.
لهذا، نحتاج إلى تأسيس لتوجه عراقي نحو الصناعات الوسطية لوجود إمكانيات هذا الجانب، وبالمقابل ضعف إمكانيات جانب التسويق لمحدودية الواجهة البحرية العراقية ومحدودية سعة الميناء العراقي والذي يزاحمه التسويق النفطي من حقول الجنوب. ومثل هذه الفكرة تقلل كذلك استهلاك الطاقة العالي جداً في حال إنشاء مصنع متكامل، ونعرف جميعاً ما نعاني منه بسبب مشكلات توفير الطاقة في العراق، فالحل يكمن في إنشاء مصنع محدود العمليات وبالتالي الحاجة إلى طاقة أقل يمكن أن يوفرها المصنع لذاته من خلال إنشاء محطة توليد طاقة خاصة به ذات سعة محددة تكفي لعمليات المصنع المحددة. ولوجود أيدي عاملة عراقية بكثرة، ذات مهارة، فإن الصناعات الوسطية ستجد لها مجال حركة واسعة في العراق. في هذه النقطة بالذات، على القائمين بالجانب الإداري في الوزارات المعنية تشجيع الشركات الكبرى على إنشاء مصانع وسطية لها في العراق ، مع الأخذ بالاعتبار تسهيل قوانين الاستثمار وتوفير الضمان لأصحاب تلك الشركات، الضمان الإداري والاقتصادي وعقد شراكات واتفاقيات تضمن مصالح الجانبين، فدول كثيرة حولنا تقوم بذلك وبنجاح حتى مع شركات ذات ثقل في السوق العالمية، فهناك شركات سيارات ألمانية معروفة جداً بجودتها لكنها ليست ألمانية بالكامل، بل تركية ومصرية وبولندية وغيرها، وحتى في السوق العراقية، فان أصحاب معارض السيارات يعرفون ذلك، والشيء نفسه لمنتجات أخرى وأخرى، إذ يكون المنتج الحصري الذي ينتجه مصنع واحد من دولة واحدة ذا سعر مرتفع جداً وغير اقتصادي ولا يرغب فيه المشترون.وهناك دول معروفة يقوم اقتصادها على أسس الصناعات الوسطية، فماليزيا أسست اقتصادها من هذه الفكرة تحديداً، بإنشاء مصانع وسطية للشركات اليابانية، وخاصة الالكترونية، فأصبحت العلامات التجارية اليابانية المعروفة معظمها منتجات مصنوعة في ماليزيا، كذلك تفعل الصين التي غزت العلامات التجارية كلها فأصبح من النادر رؤية علامة تجارية أصلية وذلك لأن الأيدي العاملة متوفرة وبكثرة في الصين بسبب التعداد العالي لنفوسها، وأيضاً للتسهيلات في القوانين البيئية إذ إن الصين من الدول القليلة التي لم توقع على اتفاقيات تخفيض الانبعاثات الصناعية. وهناك منتجات صحية معروفة كانت حكراً على دول معينة، غير أننا أصبحنا نرى العلامة نفسها ولكن من دول أخرى، وأحياناً بجودة أفضل وبسعر أقل بسبب قرب تلك الدول من أسواق البيع، فتقل كلفة الشحن البحري والنقل.على الوزارات العراقية دراسة ملف الصناعات الوسطية وتشكيل فرق مفاوضين أكفاء أصحاب خبرة علمية وتقنية واقتصادية للتوجه إلى الشركات العالمية الكبرى لاستدراجها للاستثمار في إنشاء مصانع وسطية لها في العراق، ويتم ذلك بالتزامن مع توفير الأمن لعمل الشركات الاجنبية في العراق وإطلاق الاستثمارات الأجنبية وتشجيعها، وتسهيل قوانين الاستثمار مع ضمان حقوق الجانب العراقي وحقوق العامل العراقي المهنية والاقتصادية. وسيكون هذا التوجه الأساس الكبير والواسع لبناء مشروع صناعي عراقي كبير يتمتع بمصداقية في السوق العالمية وبقبول جيد، معتمداً في ذلك على اسم الشركات الكبرى وسوقها وحضورها لدى المستهلكين العالميين، وهذا جانب آخر من الفائدة في التوجه للمصانع الوسطية، وهو جانب عدم الحاجة إلى الدعاية التجارية للتسويق إذ يقوم بذلك صاحب العلامة الأصلية!.
*مختص في التنمية المستدامة

التعليقات معطلة