حسن الكعبي
لم تعد مواقف سياسة الحياد او المواقف المواربة مبررة مع الوضع العراقي الحالي في سياق حربه على الارهاب, ذلك ان الوضع العراقي في خوضه هذه الحرب العادلة واضح جدا واطراف الحرب معروفة وواضحة ايضا، ما يقتضي تحديد المواقف ازاءهما سواء بالضد او مع, ودون احتمال لمواقف اخرى تقف على الحياد او تقف مع هذا مرة ومع ذاك مرة اخرى, فهذه الانواع من المواقف قد تكون مبررة في حالة خوض حرب مشكوك في عدالتها, لكن هذه المواقف تفقد مبرراتها في حال خوض الحرب على جماعات ارهابية كـ”داعش” التي تعتبر من ابشع الجماعات الارهابية واكثر هذه الجماعات ظلامية وتكفيرية ومنزوعة الآدمية وخارجة على الانسانية وتسعى الى تدمير الانسانية وميراثها المادي والقيمي ومحاولة سفك دمائها وإشاعة الجريمة وانتهاك الآخرين واستباحتهم ونهب خيراتهم وتسخيرهم كعبيد ينفذون اجندات الجريمة والنزعات الانتقامية السادية التي تمثل الستراتيجية الكبرى في مشاريع قوى الظلام الداعشي.
ان تحديد المواقف هو ضرورة اخلاقية وسياسية في هذه المرحلة التي تعرّف فيها العالم اجمع على بشاعة “داعش” وخطرها على الانسانية بما لا يدع اي مجال للتراجع في اتخاذ القرار بالادانة لهذا التنظيم وحسم الموقف ازاءه وعدم اللجوء الى ألاعيب الحياد والمواقف المواربة, فالقضية الاساسية لا تتعلق بالسياسة العراقية او الدولة والمجتمع العراقي وتهديد الارهاب لها و خطره عليها, وإنما القضية تتعدى هذا النطاق الى ما هو اكبر بكثير من مجرد وجود خطر ارهابي على دولة او مجتمع ما, فالقضية تتعلق بالنطاق الانساني الأشمل والمجتمعات التي يضمها والتي يهددها خطر ارهابي يسعى لتدميرها وامتلاك مقدارتها ومواريثها اشباعا لرغباته السادية, فـ”داعش” لا تمتلك اهدافا ورغبات تتوقف عند حدود معينة او تقتصر على جغرافيا بعينها, وانما تندفع برغبات توسعية شمولية تسعى لبسط هيمنتها الاجرامية والسادية, وهذا امر معروف بالنسبة لمن استطاع ان يفهم سايكولوجيا التنظيمات الارهابية وسايكولوجيا “داعش” وعقليتها الاجرامية بشكل اخص, وهنا مكمن خطورة هذا النوع من الارهاب الذي يقتضي تحديد المواقف ازاءه.
يفسح تحديد المواقف المجال للستراتيجية السياسية في تبين مسارها واتخاذ المواقف الصحيحة في حربها على الارهاب وكذلك تحديد الاعداء الفعليين والمحتملين في هذه الحرب وتجنب احتمالات اخطارهم, ومواقف الحياد في هذه الحالة تندرج ضمن الصنف الثاني من الاعداء – اي الاعداء المحتملين – ان لم تندرج ضمن الاعداء الفعليين, وهذه الرؤية لا تصب في اطار نظريات المؤامرة وإنما هي رؤية فعلية يؤكدها الواقع السياسي, فالمواقف الحيادية في الاعراف السياسية هي مواقف تتخذ من قبل بعض الدول او المحيط الداخلي، اي المحيط الاجتماعي بمكوناته السياسية ازاء حالات الالتباس وعدم الوضوح في خوض الحرب بين طرفين، اي ان مواقف الحياد تكون مبررة في حالة قيام حرب بين طرفين يمتلكان مطالب عادلة او ان احد الاطراف يمتلك مطالب تتسم بالعدالة النسبية, وهذه النسبية تفترض الحياد ريثما يزول الالتباس, واما اذا كان ذلك الطرف خارجا على القانون وعلى الانسانية كـ”داعش” فان موقف الحياد معه لايعدو كونه موقفا مناصرا للارهاب وداعما له وبالتالي فهو موقف تآمري على الانسانية برمتها خصوصا وان “داعش” تتهدد باخطارها الانسانية برمتها على نحو ما شهده العالم من تنفيذ اعمال اجرامية تتسم ببشاعتها في مختلف الدول العربية والغربية من قبل هذا الكيان السادي.
من هذا المنطلق فان تحديد المواقف سواء بالضد او مع, يغدو ضرورة في تقوية ورجحان كفة الاطراف التي اعلنت الحرب على الارهاب وهي في هذه الحالة الدولة العراقية التي تخوض الآن حربها الكبرى ضد الارهاب, فتحديد المواقف بالضد، اي ضد الارهاب هو اعلان النصرة للدولة والتحالف معها فعليا او معنويا في مكافحة الارهاب, كما ان تحديد الموقف بالنقيض – اي الوقوف مع الارهاب – يجعل الرؤية واضحة في اتخاذ الدولة لتدابيرها وقراراتها السياسية دون احتمالات لأي مواقف غادرة, واما مواقف الحياد فهي مواقف نصرة للارهاب ويجب التعامل معها على هذا النحو واتخاذ القرارات القانونية بحقها, من هنا تأتي الضرورة لتحديد المواقف لاتاحة المجال لاصدار مثل هذه القرارات, وذلك لأن القضية الحالية هي قضية مصيرية، اذ لا توجد قضية اكثر مصيرية من مكافحة الارهاب الذي يتهدد ليس المجتمع العراقي او العربي وحسب وإنما يتهدد المجتمع الانساني وأمنه.

