Pdf copy 1

اسكندر حبش 
«نيسان أقسى الشهور».. لا أعرف إن كان مطلع قصيدة إليوت الشهيرة «الأرض اليباب» تصح لوصف هذين اليومين الماضيين المليئين بغيابات كبيرة.. هكذا يأتينا ـ مساء أمس ـ نبأ رحيل ريمون جبارة، المسرحي والفنان الذي نهض مع أتراب له منذ ستينيات القرن الماضي بالمسرح اللبناني ـ (بدأ كممثل مع منير أبو دبس في «أنتيغونا») ـ إلى آفاق جديدة، لتجعل منه رائدا يشار إليه في هذا المجال.«نيسان أقسى الشهور»، وهو المولود في الأول من نيسان (العام 1935). في أحد الأفلام الوثائقية القصيرة التي صورت معه، وعنه، قال يومها ما معناه إن حياته ابتدأت بكذبة، فكيف يصدق نفسه؟ لكن العارفين بمجال المسرح لا يعتبرون أن ما قدمه كان «كذبة» بل عرف كيف يخط طريقا خاصا منذ مسرحيته الموسومة «لتمت دسدمونة» ليبدو رائد مسرح العبث المليء بقسوة خاصة كانت من نتاجه الخالص، بمعنى أنه وعلى الرغم من عمله مع آخرين وترجمته لبعض الأعمال المسرحية الغربية، إلا أنه وجد طريقا حاول أن يبقيه متفردا.صحيح أنه انزاح قليلا عن هذه الفرادة حين سقط في بعض مسرحياته في الفخ السياسي اللبناني الصرف، ما أبعده عن مشروعه المسرحي الفعلي، إلا أنه عرف كيف يستعيد «توازنه» في أعمال لاحقة، ليخرج من الهمّ اليومي البحت، إلى آفاق إنسانية أرحب. أقول ذلك مشـــيرا إلى مسرحيتين قدمهما في مراحله الأخيرة، وهما «صانع الأحلام» و «من قطف زهرة الخريــــف». إن كــان في الأولى يقتبس دون كيخوته ليقدم لنا صراعا يشـــبه صراعنا مع الحرب في تلك الفـــترة التي بدت أشبه بمصارعة طواحين الهواء، نجـــده في الثانية وكأنه يرثي هذه الحـــياة التي مضت بدون معنــى. وفي المسرحيتين كانت هـــذه السخرية المريرة التي لا يجيد تقديمها سوى ريمون جبارة نفسه.بالتأكيد لا تشكل هاتان المسرحيتان كل أعماله. لكن ثمة مسافة تفصلني عن أعماله المسرحية الأولى التي لم أعرفها إلا من «الذاكرة»، ذاكرة الآخرين التي توارثناها أو من خلال ما قرأناه عنه. ثمة أكثر من جيل بيننا لم نستطع ردمه بسبب هذا الفاصل الزمني، وبسبب الحرب التي كانت تفصل بين «المدينتين» (إذ كان من الصعب التنقل بسهولة)، ولولا بعض الحلقات التلفزيونية التي أعاد بثها «تلفزيون لبنان» ربما لم يتبقَّ لنا شيء من إرث ريمون جبارة الأول. حلقات تلفزيونية صورت على طريقة المسرح، لتكتشف معها ممثلا خارقا، ومعدا لنصوص مقتبسة تبدو كأنها مكتوبة رأسا بالعربية. وهنا أيضا تكمن فرادته، إذ كان كاتبا مسرحيا حقيقيا، له جملته الخاصة مثلما له مناخه الخاص.
غالبية مسرحيات ريمون جبارة جاءت في زمن الحرب. أربعون سنة ونحن نعيش في فضاءاتها التي لم تنتهِ. هو أيضا عاشها بكل مراراتها ودفع من جسده ثمنا لها. كأن القدر يلعب دوره أيضا، إذ يغادر في ذكرى هذه الحرب «المجيدة» التي نحاول الاعتقاد أنها مرّت، بينما في الواقع لا نفعل شيئا سوى استعادتها بشتى الوسائل.
ربــما لم يعرف جيلنا كل أعمال هذا الفنان. لكن ما يعوض عنها هذه اللقاءات التــي كانت تجمعنا معه في بعض الأمكنة المتفرقة، وبخاصة في صالات المــسرح. كان يفاجئك دوما بصلابة وجهه، وبتلك السـيجارة التي لا تنطفئ في يده. 
لكن كما علّمنا المسرح، إن ما تراه ليس هو الحقيقة دائما. كان الرجل يخفي في داخله طفلا كبيرا، يرغب في التمرد دائما على أهــله. هكذا كان: ذاك المتمرد الذي حاول أن يشق طرقا كثــيرة في الوقت عيــنه. صحيح أنه حارب الكثير من الطواحين، لكنه بقي ثابتا في مكانه. صحــيح أن مصارع المانشا استسلم في نهاية المشوار، إلا أنه بقي موجودا في تاريخ الأدب. هكذا هو ريمون جبارة اليــوم يستــسلم للحياة، لكنه بالتأكيد سيبقى في تاريخ المسرح اللبــناني والعربي. لكن المشكلة الكبيرة التي لا بد من أن تطرح: أن يبقى بلد وأن تبقى ذاكرة.. لنتذكر.

التعليقات معطلة